بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ جمال الدين بن هشام - رحمه الله
: سألني بعض الإخوان وأنا على جناح السفر
(1) عن توجيه النصب في نحو قول القائل: (فلان لا يملك درهما فضلا عن دينار) ، وقوله: (الإعراب لغة: البيان، واصطلاحا (2) : تغير الآخر لعامل، والدليل لغة: المرشد (3) ، والإجماع لغة: العزم، والسنة لغة: الطريقة) ، وقوله: (يجوز كذا خلافا لفلان) ، وقوله: (وقال أيضا) ، وقوله: (هلم جرا) . وكل هذه التراكيب مشكلة، ولست (4) على ثقة من أنها عربية وإن كانت مشهورة في عرف الناس، وبعضها لم أقف لأحد على تفسير له، ووقفت لبعضها على تفسير لا يشفي عليلا ولا يبرد غليلا. وها أنا مورد في هذه الأوراق ما تيسر لي، معتذرا بضيق الوقت، وسقم الخاطر، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. القول في: فلان لا يملك درهما فضلا عن دينار. أما قوله: (فلان لا يملك درهما فضلا عن دينار) فمعناه أنه لا يملك درهما ولا دينارا، وأن عدم ملكه الدينار أولى من عدم ملكه الدرهم، وكأنه قال: لا يملك درهما فكيف يملك دينارا، وهذا التركيب زعم بعضهم أنه مسموع، وأنشد عليه: قلما يبقى على هذا القلق صخرة صماء فضلا عن رمق (5) PageV01P011
الرمق: بقية الحياة. ولا تستعمل (فضلا) هذه إلا في النفي، وهو مستفاد في (6) البيت من (قلما) . قال بعضهم: حدث لقل حين كفت ب (ما) إفادة النفي، كما حدث ل (إن) المكسورة المشددة حين كفت إفادة الاختصاص (7) . قلت: وهذا خطأ فإن (قل) (8) تستعمل للنفي (9) قبل الكف، يقال: قل أحد يعرف هذا إلا زيد، ولهذا استعمل أحد (1) ، وصح إبدال المستثنى وهو بدل إما من (أحد) أو من ضميره. و (على) في البيت للمعية، مثلها (2) في قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) (3) ، وقوله: (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق) (4) . وانتصاب (فضلا) على وجهين محكيين عن الفارسي (5) . أحدهما PageV01P012
المحذوف صفة ل (درهما) ، كذا حكي عن الفارسي. ولا يتعين كون الفعل صفة بل يجوز أن يكون حالا كما جاز في (فضلا) (1) أن يكون حالا على ما سيأتي تقريره. نعم وجه الصفة أقوى لأن نعت النكرة كيف كان (2) أقيس من مجيء الحال منها، وإن قدرته حالا فصاحبها يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ضمير المصدر محذوفا، أي: لا يملكه، أي: لا يملك الملك، على حد قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه (3) . أي: يدرس (4) الدرس، إذ ليس الضمير للقرآن، لأن اللام متعلقة بيدرس ولا يتعدى الفعل إلى ضمير فعل وإلى ظاهره جميعا، ولهذا وجب في: (زيدا ضربته) تقدير عامل على الأصح، وعلى هذا خرج سيبويه (5) والمحققون نحو قوله: (ساروا سريعا) أي: ساروه، أي: ساروا السير سريعا، وليس (سريعا) عندهم نعتا لمصدر محذوف لالتزام العرب تنكيره، ولأن الموصوف لا يحذف إلا إن كانت الصفة مختصة بجنسه، كما في: (رأيت كاتبا أو حاسبا أو مهندسا) فإنها مختصة بجنس الإنسان، ولا يجوز: (رأيت طويلا) و (رأيت (6) أحمر) ، وفي هذا الموضع بحث ليس هذا موضعه (7) . والثاني أن يكون (8) قوله (درهما) حالا. PageV01P013
فإن قلت: كيف جاز مجيء الحال من النكرة؟ قلت: أما على قول سيبويه فلا إشكال، لأنه يجوز عنده مجيء الحال من النكرة، وإن لم يكن الابتداء بها، ومن أمثلته: (فيها رجل قائما) (1) ، ومن كلامهم: (عليه مائة بيضا) (2) . وفي الحديث: (صلى وراءه قوم قياما) (3) . وأما على المشهور من أن الحال لا تأتي من النكرة إلا بمسوغ فلها هنا مسوغان: أحدهما (4) : كونها في سياق النفي والنفي يخرج النكرة من حيز الإبهام إلى حيز العموم فيجوز حينئذ الإخبار عنها ومجيء الحال منها. والثاني: ضعف التوصف، ومتى امتنع الوصف بالحال أو ضعف ساغ مجيئها من النكرة، فالأول كقوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية) (5) ، وقول الشاعر (6) : مضى زمن والناس يستشفعون بي فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع (51 ب) فإن المقرونة بالواو لا تكون صفة خلافا للزمخشري (7) ، وكقولك: (هذا خاتم حديدا) عند من أعربه حالا، لأن الجامد المحض لا يوصف به. والثاني كقولهم: (مررت بماء قعدة رجل) ، فإن الوصف بالمصدر خارج عن القياس. فإن قلت: هلا أجاز الفارسي في (فضلا) كونه صفة ل (درهما) . PageV01P014