فائدة جليلة: في قواعد الأسماء الحسنى
تأليف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية
بسم الله الرحمن الرحيم
ال
مقدمة
الحمد لله المحمود على كال حال، الموصوف بصفات الجلال والكمال، له الأسماء الحسنى وهو الكبير المتعال.
أما بعد: فإن من أجل العلوم وأعظمها نفعا وأكثرها فائدة معرفة القواعد والأصول والضوابط الكلية الجامعة، ذلك أن الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماء مطردا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيرا، كما أنها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها"1 إلى PageV01P005
غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة التي لا تحصى.
بل إن "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أن أحكامها الأصولية والفروعية والعبادات والمعاملات وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقها وتنشر فروعها وتردها إلى أصولها"1.
والقاعدة: هي أمر كلي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها2.
فإذا ضبطت القاعدة وفهم الأصل أمكن الإلمام بكثير من المسائل التي هي بمثابة الفرع لهذه القاعدة، وأمن الخلط بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيل لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيا على علم متين وعدل وإنصاف.
ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات؟ ليتكلم بعلم PageV01P006
وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم) 1.
لأجل هذا عني أهل العلم كثيرا. بوضع القواعد وجمعها في الفنون المختلفة، فلا تكاد تجد فنا من الفنون إلا وله قواعد كثيرة وضوابط عديدة تجمع متفرقه، وتزيل مشتبهه، وتنير معالمه، وتيسر فهمه، وحفظه، وضبطه.
وهذا الجزء الذي بين يديك مشتمل على أصول عظيمة وقواعد وضوابط مهمة في فقه أسماء الله الحسنى، مستمدة من الشرع معلومة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، تعين مطالعها وقارئها على فهم الأسماء الحسنى فهما صحيحا سليما بعيدا عن شطط أهل الأهواء وانحرافاتهم الكثيرة في قواعدهم التي قعدوها وأصولهم التي أصلوها بعقولهم الفاسدة، وأهوائهم المنحرفة، فناقضوا بها أصول الشريعة، وعارضوا بها النصوص المحكمة، وأضلوا بها كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل PageV01P007
وأصله "فائدة جليلة"أودعها الإمام المحقق والعلامة المدقق ابن قيم الجوزية كتابه العظيم "بدائع الفوائد"1 نبه فيها رحمه الله على ضوابط مهمة، وقواعد عظيمة، وأصول كلية متينة متعلقة بفهم أسماء الله الحسنى وفقهها. قال في تمامها رحمه الله "فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى، فعليك بمعرفتها ومراعاتها، ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا، ولسانا قائلا، ومحلا قابلا، وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال ... ".
وقد رأيت أن من المفيد جدا إفراد هذه الفائدة الجليلة بالنشر، لتكثر فائدتها ولتكون سهلة التناول قريبة المأخذ، وقد تحصل لي بحمد الله ثلاث نسخ خطية لهذا الموضع من بدائع الفوائد: