فصل (في معنى السبيل)
وقوله {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر} وهذه أيضا من أجل نعم الله تعالى أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه وذلك نصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون
قال ويحتمل أن يكون المعنى أن من سلك السبيل القاصد فعلى الله طريقه وإلى ذلك مصيره فيكون هذا مثل قوله {هذا صراط علي مستقيم} وضد قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك أي لا يفضي إلى رحمتك وطريق قاصد معناه بين مستقيم قريب ومنه قول الراجز
قصد عن نهج الطريق القاصد
قال والألف واللام في السبيل للعهد وهي سبيل الشرع وليست للجنس ولو كانت للجنس لم يكن منها جائر وقوله {ومنها جائر} يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعباد الاصنام والضمير في منها يعود على السبيل التي يتضمنها معنى الآية كأنه قال ومن السبيل جائر فأعاد عليها وان كان لم يجر لها ذكر لتضمن لفظة السبيل بالمعنى لها
قال ويحتمل أن يكون الضمير في منها على سبيل الشرع المذكورة ويكون من للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من أمة محمد كأنه قال ومن بينات الطرق من هذه السبيل ومن شعبها جائر
(قلت) سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن الصراط المستقيم فيما ابتدعوا فيه ولا يقال ان ذلك من السبيل المشروعة
وأما قوله إن قوله {قصد السبيل} هي سبيل الشرع وهي سبيل الهدى والصراط المستقيم وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر فهذا أحد الوجهين في دلالة الآية وهو مرجوح والصحيح الوجه الآخر أن السبيل اسم جنس ولكن الذي على
الله هو القصد منها وهي سبيل واحد ولماكان جنسا قال {ومنها جائر} والضمير يعود على ما ذكر بلا تكلف
وقوله لو كان للجنس لم يكن منها جائر ليس كذلك فإنها ليست كلها عليه بل إنما عليه القصد منها وهي سبيل الهدى والجائر ليس من القصد وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل وليس كذلك بل إنما عليه سبيل واحدة وهي الصراط المستقيم وهي التي تدل عليه وسائرها سبيل الشيطان كما قال {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
وقد أحسن رحمه الله في هذا الاحتمال وفي تمثيله ذلك بقوله {هذا صراط علي مستقيم}
وأما آية الليل قوله {إن علينا للهدى} فابن عطية مثلها بهذه الآية لكنه فسرها بالوجه الأول فقال
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك كما قال {وعلى الله قصد السبيل} ثم كل أحد يتكسب ما قدر له وليست هذه الهداية بالارشاد إلى الإيمان ولو كان كذلك لم يوجد كافر
(قلت) وهذا هو الذي ذكره ابن الجوزي وذكره عن الزجاج قال الزجاج ان علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال
وهذا التفسير ثابت عن قتادة رواه عبد بن حميد قال حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة {إن علينا للهدى} علينا بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته وكذلك رواه ابن أبي حاتم في تفسير سعيد عن قتادة في قوله {إن علينا للهدى} يقول على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته
لكن قتادة ذكر أنه البيان الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فتبين به حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته
وأما الثعلبي والواحدي والبغوي وغيرهم فذكروا القولين وزادوا أقوالا آخر فقالوا واللفظ للبغوي
{إن علينا للهدى} يعني البيان قال الزجاج علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة وهو قول قتادة قال على الله بيان حلاله وحرامه