فصل في أحكام المفتين
فيه مسائل
إحداها الإفتاء فرض كفاية فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب فإن كان فيها غيره وحضر فالجواب في حقهما فرض كفاية وإن لم يحضره غيره فوجهان
أصحهما لا يتعين لما سبق عن ابن أبي ليلى
والثاني يتعين
وهما كالوجهين في مثله في الشهادة ولو سأل عامي عما يقع لم يجب جوابه
الثانية إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل
به وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء صلاته وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلا قاطعا لزم المستفتي نقض عمله ذلك وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه وما ذكره الغزالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه
قال أبو عمرو وإذا كان يفتي على مذهب إمام فرجع لكونه بان له قطعا مخالفة نص مذهب إمامه وجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل أما إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فحال المستفتي في علمه كما قبل الرجوع ويلزم المفتي إعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض
وإذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطأه وأنه
خالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني أنه يضمن إن كان أهلا للفتوى ولا يضمن إن لم يكن أهلا لأن المستفتي قصر كذا حكاه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وسكت عليه وهو مشكل وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروفين في بابي الغصب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء
الثالثة يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه
فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة
ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع
الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره
وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل
وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد
ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها الحيلة السريجية في سد باب الطلاق
الرابعة ينبغي أن لا يفتي في حال تغير خلقه وتشغل قلبه وتمنعه التأمل كغضب وجوع
وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال فإن أفتى في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطرا بها
الخامسة المختار للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال إلا أيتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح ثم إن كان له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم
واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني من أصحابنا فقال له أن يقول يلزمني أن أفيتك قولا وأما كتابة الخط فلا فإذا استأجره على كتابة الخط جاز