ومنه قول الشاعر (809):
(130) كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا، (810)
أي: إذا نجلته (811) رجلها ولدها.
*****
وتضمن الحديث الثاني والثالث صحة العطف (812) على ضمير الرفع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره. وهو مما لا يجيزه النحويون في النثر إلا على ضعف، ويزعصون أن بابه الشعر.
والصحيح جوازه نثرا ونظما (813).
فمن النثر ما تقدم من قول علي وعمررضي الله عنهما. ومنه قوله تعالى {لو PageV01P173
شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} (814). فإن واو العطف فيه متصلة بضمير. (815) المتكلمين.
ووجود "لا" بعدها لا اعتداد به؛ لأنها بعد العاطف، ولأنها زائدة, إذ المعنى تام بدونها.
*****
وتضمن الرابع والخامس استعمال "أو" بمعنى الواو، فإن معنى (816) " فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد،" فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد. وكذا قول ابن عباس رضي الله عنهما: "ما أخطاك ثنتان: سرف أو مخيلة" معناه: ما أخطاك ثنتان: سرف ونحيلة.
ونظائرهما عند أمن اللبس كثيرة.
فمنها قول امرئ القيس (817):
(131) فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أوقدير معجل (818)
ومنها قول الآخر (819):
(132) فقالوا لنا: ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح اشرعت أو سلاسل
ومنها قول الآخر (820): PageV01P174
(133) قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أوسافع (821)
وكما استعملت "أو" بمعنى الوار استعملت (822) الواو بمعنى "أو". وعلى ذلك حمل على بن الحسبن رضى الله عنهما قوله تعالى {مثنى وثلاث ورباع} (823). PageV01P175
ومنها قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام) (824)
قالوا: "ولا الجهاد في سبيل الله؟ " قال: "ولا الجهاد (825) إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء).
قلت: في هذا الحديث (826) اشكال من جهتين:
إحداهما- عود ضمير مؤنث في "منها" إلى "العمل" وهو مذكر (827).
والثانية- استثناء "رجل" من "الجهاد" وابداله منه، مع تباين جنسيهما.
فأما الأول فوجهه (828) أن الألف واللام في "العمل"لاستغراق الجنس، فصار بهما فيه عموم مصحح لتأوله بجمع، كغيره من أسماء الأجناس (829) المقرونة بالألف واللام الجنسية. ولذلك (830) يستثنى منه، نحو {إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا} (831) ويوصف بما يوصف به الجمع، كقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} (832). وكقول بعض العرب (أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الحمر) (833).
فكما جاز أن يوصف بما يوصف به الجمع لما حدث فيه من العموم كذلك يجوز أن يعاد إليه ضمير كضمير الجمع، فيقال: الدينار بها هلك كثير من الناس؛ لأنه في تأويل الدنانير. و (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام؛ لأنه في تأويل الأعمال. PageV01P176
ويجوز أن يكون أنث ضمير "العمل" لتاويله ب" حسنة" كما أول "الكتاب" بصحيفة من قال: (أتتة كتابى) (834)
*****
وأما الثاني [18ظ]، فالوجه فيه أنه على تقدير: ولا الجهاد إلا جهاد رجل، ثم حذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه.
*****
والأصل في "ولا الجهاد" أولا الجهاد؟ لأن قائل ذلك مستفهم لا مخبر، فظهور المعنى سوغ حذف الهمزة كلما سوغه في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (وإن زنى إن سرق) (835) فإن أصله فيه: أو إن زنى وإن سرق؟ (836). PageV01P177