(5) لا ينسك الأسى تأسيا فما
ما من حمام أحد معتصما
ومثل "يا" الواقعة قبل "ليت" في تجردها للتنبيه "يا" الواقعة قبل "حبذا" في قول الشاعر: (37)
(6) يا حبذا جبل الريان من جبل
وحبذا ساكن الريان من كانا
وقبل "رب" في قول الراجز (38):
(7) يا رب سار بات ما توسدا
إلا ذراع العنس أو كف اليدا) (39)
* * * * *
وقوله "إذ يخرجك قومك" استعمل فيه "إذ" موافقة ل "إذا" في أفادة الاستقبال.
وهو استعمال صحيح، غفل عن التبيه عليه أكثر النحويين. (40) ومنه قوله تعالى {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر} (41) وقوله تعالى {وأنذرهم يوم الآزفة} PageV01P062
إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} (42) وقوله تعالى {فسوف يعلمون (70) إذ الأغلال في أعناقهم} (43)
وكما استعملت "إذ" بمعنى "إذا" استعملت "إذا" بمعنى "إذ" كقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} (44) وكقوله تعالى {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} (45) وكقوله تعالى {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} (46)
لأن "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، و"لا أجد ما أحملكم عليه" مقولان فيما مضى. وكذا الانفضاض المشار إليه واقع أيضا فيما مضى. فالمواضع الثلاثة صالحة لي "إذ" وقد قامت "إذا" مقامها.
********
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "أو مخرجى هم" فالأصل (47) فيه وفي أمثاله تقديم حرف العطف على الهمزة كما تقدم على غيرها من [2 ظ] أدوات الاستفهام، نحو {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله} (48)، ونحو {فما لكم في المنافقين فئتين} (49) ونحو {فأي الفريقين أحق بالأمن} (50) [ونحو {فأنى يؤفكون} (51) ونحو {أم هل تستوي الظلمات والنور} (52)]، (53) ونحو {فأين تذهبون} (54) PageV01P063
فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء (55) بعده بأخواتها، فكان يقال في {أفتطمعون} (56) وفي {أوكلما} (57) وفي {أثم إذا ما وقع} (58) "فأتطمعون" "و "وأكلما" و"ثم أإذا ما وقع" (59) لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهى معطوفة على ما قبلها من الجمل. والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف (60)
ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيها على أنها أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، وقد خولف هذا الأصل في غير الهمزة, فأرادوا التنبيه عليه، فكانت الهمزة بذلك أولى، لأصالتها في الاستفهام.
وقد غفل الزمخشري في معظم كلامه في "الكشاف" (61) عن هذا المعنى (62) فادعى أن بين الهمزة (63) وحرف العطف جملة محذوفة معطوفا عليها بالعاطف ما بعده (64).
وفي هذا من التكلف ومخالفة (65) الأصول ما لا يخفى.
وقد تقدم في كلامي على. "يا ليتنى"، أن المدعي حذف شيء يصح المعنى بدونه لا تصح دعواه حتى يكون موضع ادعاء الحذف صالحا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف، وما نحن بصدده بخلاف ذلك، فلا سبيل إلى تسليم الدعوى. PageV01P064
وقد رجع الزمخشري عن الحذف إلى ترجيح (66) الهمزة على أخواتها بتكميل التصدير. (67)
******
والأصل في "أو مخرجى هم" أو مخرجوي هم. فاجتمعت واو ساكنة وياء، فابدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، وابدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلا للتخفيف، كما فعل باسم مفعول "رميت" حين قيل فيه: مرمى، وأصله: مرموي.