بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا ألله
الحمد لله الذي من علينا بتوحيده وجعلنا من أفضل عبيده الذي جنبنا الأهواء المذلة والآراء المضلة أرانا الحق إذ هدانا لبرهانه ودليله وأظهر لنا الباطل وتفضل علينا بالعدول عن سبيله نحمده بمحامده التي لا تحصى ونشكره على الآية التي لم تزل تترى ونسأله الصلاة على نجبه من كافة الورى أنبيائه ورسله أئمة الهدى وخصوصا المبعوث إلى الثقلين المفضل على العالمين المؤيد بالآيات الصادعة والبراهين القاطعة موضح الحق بواضحات الدلائل ومرهق الكفر والباطل صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وعلى جميع النبيين والمرسلين ورضى الله عن خلفائه الراشدين وعن صحابته أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد
فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب به بعض المنتحلين لدين الملة النصرانية سماه كتاب تثليث الوحدانية بعث به من طليطلة أعادها الله إلى مدينة قرطبة حرسها الله متعرضا فيه لدين المسلمين نائلا فيه من عصابة الحق الموحدين سائلا عما لا يعنيه ومتكلما بما لا يدريه فأمعنت النظر فيه فإذا بالمتكلم يهرف بما لا يعرف وينطق بما لا يحقق ناقض ولم يشعر وعمى من حيث يظن أنه يستبصر {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} يلحن إذا كتب ويعجم متى أعرب ... وذي خطل في القول تحسب أنه
مصيب فما يلمم به فهو قائله ...
دل بقوله على ضعف عقله وبمكاتبته على سوء محاولته تعاطى درجة النظار وسود بأباطيله ذلك الطومار ليستزل به الأغبياء
الأغمار ويحصل بذلك على مآكله شنار {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} وليته إذا ادعى النظر سلك طريقه وألتزم شروطه فاعترف بالبديهيات ولم ينظر الضروريات التي هي أصول النظريات ولكن حل من عنقه ربقة العقول فهو في كل جهالة يجول وإليها يدعو وبها يقول فليته لو دفن من عواره ما كان مسطورا ولكن كان ذلك عليه في الكتاب مسطورا ... وإن لسان المرء ما لم تكن له
حصاة على عوراته لدليل ...
فاستخرت الله تعالى في جوابه على تخليط معانيه وتثبيج خطابه بعد أن أقول له اعلم يا هذا إن البغاة بأرضنا لا تستنسر والتمييز عندنا بين الفضة والقصة متيسر وها أنا إن شاء الله تعالى أجاوبك على ما كتبت حرفا حرفا وأبين فساده الذي لا يكاد يخفى على أنهم لو فتح عليهم بابا من السماء {فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} فكيف لا وقد ركبوا من استحالة الإتحاد والتثليث والحلول ما يدرك فساده بضرورة العقول وقد قالوا في الآب والإبن والأقانيم ما تمجه بفطرته الأولى كل ذي فهم مستقيم ولا يتسع لقبوله قلب ذي عقل سليم ... ومن كان اللعين له لسانا
فكل جداله زور ونكر
فكل مقالهم إفك وزيغ
ونص كتابهم شرك وكفر ...
ومن أعظم ما ظهر عليهم من الفاسد فصرفوا لذلك عن التوفيق والرشاد إنكارهم ما يدل على نبوة نبينا من المعجزات وواضح الدلالات وقد قاربت الضرورات حتى أنكروا ما جاء في كتبهم من الإعلام على نبوته وإيجاب إتباع شريعته فلقد كانو يجدونه مكتوبا عندهم ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وسأذكر إن شاء الله تعالى ما وقع في أناجيلهم من وصفه وصحيح نعته ولما تبين للعقلاء عنادهم سقط لذلك إرشادهم ووجب حملهم على السيف وجهادهم فقد يفعل الله بالسيف واللسان ما لا يفعل بالبرهان ومن كلام الحكماء يزغ الله بالسلطان مالا يزغ بالقرآن فأعرض العقلاء عنهم