[فصل فيما يثاب عليه من الطاعات]
الواجبات أقسام: أحدها ما تميز لله بصورته فهذا يثاب عليه مهما قصد إليه وإن لم ينو به القربة كالمعرفة والإيمان والأذان والتسبيح والتقديس وقراءة القرآن.
القسم الثاني: ما لم يتميز من الطاعات لله بصورته لكنه شرع قربة لله عز وجل، فهذا لا يثاب عليه إلا بنيتين:
إحداهما: نية إيجاد الفعل.
والثانية: نية التقرب به إلى الله عز وجل، فإن تجرد عن نية التقرب أثيب على أجزائه التي لا تقف على نية القربة كالتسبيحات والتكبيرات والتهليلات الواقعة في الصلوات الفاسدة.
القسم الثالث: ما شرع للمصالح الدنيوية ولا تتعلق به المصالح الأخروية إلا تبعا كإقباض الحقوق الواجبة، وفروض الكفايات التي
تتعلق بها المصالح الدنيوية من الحرث والزرع، والنسج والغزل، والصنائع التي يتوقف عليها بقاء العالم، ودفع ما يجب دفعه وقطع ما يجب قطعه، فهذا لا يؤجر عليه إذا قصد إليه إلا أن ينوي به القربة إلى الله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، وإنما الأعمال بالنيات. فكم من مقيم لصور الطاعات ولا أجر له عليها، وكذلك لا يثاب على ترك العصيان إلا إذا قصد بذلك طاعة الديان، فحينئذ يثاب عليه، بل لو قصد الإنسان القربة بوسيلة ليست بقربة لا يثاب على قصده دون فعله، كمن قصد نوم بعض الليل ليتقوى به على قيام بقيته، وكمن قصد الأكل ليتقوى به على الجهاد وغيره من الطاعات، ولو نذر ذلك لم يلزمه، ولو قصد المعصية بما ليس بمعصية لعوقب على قصده دون فعله، مثل أن يقصد وطء جارية أو أكل طعام يظنهما لغيره، فوطئ وأكل مع كونهما ملكا له، فإنه يعاقب على قصده دون فعله.
[قاعدة في الجوابر والزواجر]
(قاعدة) في الجوابر والزواجر الجوابر مشروعة لجلب ما فات من المصالح، والزواجر مشروعة لدرء المفاسد، والغرض من الجوابر جبر ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده، ولا يشترط في ذلك أن يكون من وجب عليه الجبر آثما، وكذلك شرع الجبر مع الخطأ والعمد والجهل والعلم والذكر والنسيان، وعلى المجانين والصبيان، بخلاف الزواجر فإن معظمها لا يجب إلا على عاص زجرا له عن المعصية، وقد تجب الزواجر دفعا للمفاسد من غير إثم ولا عدوان، كما في حد الحنفي إذا شرب النبيذ، ورياضة البهائم، وتأديب الصبيان استصلاحا لهم. وقد اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر أم جوابر فمنهم من جعلها زواجر عن العصيان لأن تفويت الأموال وتحميل المشاق رادع زاجر عن الإثم والعدوان، والظاهر أنها جوابر لأنها عبادات وقربات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب إلى الله زاجرا، بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست بقربات
إذ ليست فعلا للمزجور، وإنما يفعلها الأئمة ونوابهم.
والجوابر تقع في العبادات والأموال والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح. والجوابر تقع في العبادات وغيرها وهي أنواع كثيرة. فأما الجوابر المتعلقة بالعبادات فمنها جبر الطهارة بالماء بالطهارة بالتراب، ومنها جبر ما فات بالسهو من ترتيب الصلاة والكف عن الأفعال المفسدة بالسجود، ومنها التشهد الأول والقنوت بالسجود، ومنها جبر ما فات من القبلة وقت المسابقة بجهة المقاتلة، ومنها جبر القبلة بصوب السفر في حق النوافل، ومنها صلاة الجماعة لمن صلى منفردا فإنها جابرة لما فات من فضيلة الجماعة في صلاة الانفراد، ومنها جبر ما بين السنتين من التفاوت في الزكاة بشاتين أو عشرين درهما، وهذا جبر خارج عن قياس الجبر بالقيم، ومنها جبر الصوم في حق الشيخ الكبير بمد من الطعام، وكذلك جبر المرضع والحامل بالفدية لما فاتهما من أداء الصيام، ومنها جبر تأخير قضاء صوم رمضان إلى رمضان آخر عن كل يوم بمد من طعام، ومنها جبر مناهي النسك بالدماء والطعام والصيام. ومنها نقص التمتع والقران بالدم ثم بالصيام، ومنها جبر الرمي وترك الإحرام من المواقيت بالتخيير بين النسك والطعام وصيام ثلاثة أيام. ومنها جبر الصيد المأكول البري في الحرم أو الإحرام بالمثل والطعام والصيام، ومنها جبر الصيد المملوك لمالكه بقيمته وللرب بالمثل أو الطعام أو الصيام، وهذا متلف واحد جبر ببدلين مختلفين، ومنها جبر أشجار الحرم بالنعم والتخير بينها وبين الإطعام والصيام. واعلم أن الصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني، والأموال لا تجبر إلا بجابر مالي والنسكان يجبران تارة بعمل بدني وتارة يجبران بجابر مالي فالبدني