[فصل في بيان الإخلاص في العبادات وأنواع الطاعات]
الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصا لله وحده لا يريد بها تعظيما من الناس ولا توقيرا، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر دنيوي، وله رتب: منها أن يفعلها خوفا من عذاب ومنها أن يفعلها تعظيما لله ومهابة وانقيادا وإجابة، ولا يخطر له عرض من الأعراض، بل يعبد مولاه كأنه يراه وإذا رآه غابت عنه الأكوان كلها وانقطعت الأعراض بأسرها وأمر العابد أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يقدر على تقدير نظره إلى الله، فليقدر أن الله ناظر إليه، ومطلع عليه فإن ذلك يحمله على الاستحياء منه والخوف والمهابة وهذا معلوم بالعبادات أن النظر إلى العظماء يوجب مهابتهم وإجلالهم والأدب معهم إلى أقصى الغايات، فما الظن بالنظر إلى رب السموات؟ وكذلك لو قدر إنسان في نفسه أن عظيما من العظماء ناظر إليه، ومطلع عليه،
لم يتصور لأن يأتي برذيلة، وأنه يتزين له بملابسة كل فضيلة، فسبحان الله ما جمع هذا الحديث من الأدب مع الله في عياداته وطاعاته.
[فصل في بيان الرياء في العبادات وأنواع الطاعات]
الرياء إظهار عمل العبادة لينال مظهرها عرضا دنيويا إما بجلب نفع دنيوي، أو لدفع ضرر دنيوي، أو تعظيم أو إجلال، فمن اقترن بعبادته شيء من ذلك أبطلها لأنه جعل عبادة الله وطاعته وسيلة إلى نيل أعراض خسيسة دنية، فاستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهذا هو الرياء الخالص.
وأما رياء الشرك فهو أن يفعل العبادة لأجل الله ولأجل ما ذكر من أغراض المرائين وهو محبط للعمل أيضا، قال تعالى: «من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته لشريكه وفي رواية: تركته لشريكي» .
[فصل في بيان التسميع في العبادات وأنواع الطاعات]
وهو ضربان. أحدهما تسميع الصادقين وهو أن يعمل الطاعة خالصة لله، ثم يظهرها ويسمع الناس بها ليعظموه ويوقروه وينفعوه ولا يؤذوه. وهذا محرم وقد جاء في الحديث الصحيح: «من سمع سمع الله به. ومن راءى راءى الله به، وهذا تسميع الصادقين» .
الضرب الثاني: تسميع الكاذبين وهو أن يقول صليت ولم يصل، وزكيت ولم يزك، وصمت ولم يصم، وحججت ولم يحج، وغزوت ولم يغز. فهذا أشد ذنبا من الأول لأنه زاد على إثم التسميع إثم الكذب، فأتى بذلك
معصيتين قبيحتين، بخلاف الأول فإنه آثم إثم التسميع وحده. وجاء في الحديث الصحيح: «المتسمع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» .
وكذلك لو راءى بعبادات ثم سمع موهما لإخلاصها فإنه يأثم بالتسميع والرياء جميعا. وإثم هذا أشد إثما من الكاذب الذي لم يفعل ما سمع به، لأن هذا أثم بريائه وتسميعه وكذبه ثلاثة آثام. ومن أمن الرياء لقوة في دينه فأخبر بما فعله من الطاعات ليقتدي الناس به، كان له أجر طاعته التي سمع بها وأجر تسببه إلى الاقتداء في تلك الطاعات التي سمع بها على اختلاف رتبها