وأما المفتون فيثابون على تصديهم للفتاوى، وتتفاوت أجورهم بتفاوت تلك الفتاوى وكثرتها، وعمومها وخصوصها.
[فصل فيمن جمع بين الجور والعدل في ولايته]
إن قيل: إذا جار الأئمة والحكام وعدلوا فهل يقوم عدلهم بجورهم؟ فالجواب: إن ما فوتوه من الأموال مضمون عليهم في الدين، إن فنيت حسناتهم طرح عليهم من سيئات من ظلموه، ثم طرحوا في الجحيم. والتقدير: أخذ في الآخرة من ثواب حسناتهم. فإن فنيت حسناتهم طرح من ثواب حسناتهم، فإن فنيت حسناتهم طرح عليهم من عقوبات - سيئات - من ظلموه بقدر ظلمه. وكذلك الحكم في الدماء والأبضاع والأعراض، وفيما أخروه من الحقوق التي يجب تقديمها، أو قدموه من الحقوق التي يجب تأخيرها، فقد قال رب العالمين: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا} [الأنبياء: 47] الآية.
فإن قيل لو مات المكلف وعليه دين لم يأثم بسببه ولا بمطله، فهل يؤخذ من حسناته في الآخرة بمقدار ما عليه من الدين؟
قلنا: نعم، يؤخذ من ثواب حسناته بمقدار ما عليه من الدين وإن فنيت حسناته، كما تؤخذ أمواله ومساكنه وعبيده وإماؤه في الدين، وإن لم يكن آثما بسبب الدين لا بمطله فإن فنيت حسناته في الآخرة لم يطرح عليه من السيئات لأنه غير عاص ولا آثم، ولا يتعجبن متعجب منه، ذلك عدل من الله في الدنيا والآخرة. فإن قيل: فما حكم ما يفضل عليه من الديون بعد فناء حسناته؟ قلت: الأمر في ذلك إلى الله إن شاء عوض رب الدين من عنده، وإن شاء لم يعوضه، وهذا موقوف على صحة الخبر فيه، ولا يؤخذ من ثواب الإيمان المندوب نظر وهو داخل في عموم الحديث.
[فصل فيما يثاب عليه الشهود وما لا يثابون]
تحمل الشهادة توسل إلى أدائها وأداؤها توسل إلى الحكم بها، والحكم بها توسل إلى تحصيل مصالح الحكم بالحق ودرء مفاسد الحكم بالجور. فمن شهد بالحكم الموافق لما في نفس الأمر مبتغيا بذلك وجه الله، كتب له أجر الإعانة على استيفاء تلك الحقوق التي تثبت بشهادته والمصالح التي حصل بها، ولذلك كتب له أجر ما درأه من المفاسد بشهادته على اختلاف رتبها، وكان عند الله من الذين. تعاونوا على البر والتقوى، وكتب له أجران: أحدهما على ما أعان عليه من الحق، والآخر على إخلاصه لله. وإن شهد بالحق رياء وسمعة أثم على ريائه، دون معاونته على إرجاع الحق إلى مستحقيه.
وإن شهد بالباطل وهو يعلم أنه باطل، فهذا شاهد زور مرتكب لكبيرة. وإن بنى شهادته على الأسباب الشرعية وكان المشهود به باطلا في نفس الأمر، أثيب على قصده ولا يثاب على شهادته؛ لأنها إعانة على باطل. وإن شهد بالأجرة وجوزنا ذلك، فهذا عقد معاوضة، إن سامح ببعض العوض أجر عليه، وإلا فلا