[فصل فيما يثاب عليه العالم والحاكم وما لا يثابان عليه]
إن قيل: على أي شيء يثاب العالم والحاكم؟ قلنا: إن تعلما العلم للرياء والسمعة أثما ما لم يتوبا، فإن أفتى أحدهما وحكم للرياء والسمعة كانا مأثومين أيضا لريائهما، فإن أفتى أحدهما وحكم الآخر مخلصين لله أثيب كل واحد منهما على ما فعله خالصا لله، وإن تعلما مخلصين لله أجرا على تعلمهما، فإن عزما على أن يعملا بما أمرا به في الفتيا والحكم أثيبا على عزمهما، فإن أمضيا ما عزما عليه، أثيبا على عزمهما وفعلهما، وإن رجعا عما عزما عليه، أثيبا
على عزمهما وأثما برجوعهما، وكذلك الإفادة والتدريس وعلم الحديث، وكل علم يتقرب به إلى الله عز وجل.
[فصل فيما يثاب عليه المتناظران وما لا يثابان عليه]
إن قيل: هل يثاب المتناظران على المناظرة أم لا؟ قلنا إن قصد كل واحد بمناظرته إرشاد خصمه إلى ما ظهر له من الحق فهما مأجوران على قصدهما وتناظرهما، لأنهما متسببان إلى إظهار الحق، وإن قصد كل واحد منهما أن يظهر على خصمه ويغلبه، سواء أكان الحق معه أو مع خصمه فهما آثمان، وإن قصد أحدهما الإرشاد وقصد الآخر العناد، أجر قاصد الإرشاد، وأثم قاصد العناد. ثم إن قصدا أو أحدهما العناد وأظهر الله الحق على لسان خصمه، فإن تمادى على عناده أثم، وانفرد صاحبه بالأجر إن قصد وجه الله، وإن قطع عزمه عن العناد وعاد إلى اتباع الرشاد وانقطعت معصيته أثيب على رجوعه إلى الرشاد، وإن أصر على العناد أثم على عزمه وعناده، ووجب تعزيره في الدنيا، وإن لم يعزر فيها فهو متعرض لعقاب الآخرة كغيره من العصاة. ولو عزم أحدهما على قبول الحق إذا ظهر على لسان خصمه فعانده فهو مأثوم لعناده مأجور على عزمه فالذي يسخر من خصمه ويضحك منه ويستضحك الناس منه أشد وزرا مما ذكرناه، لأنه زاد على تلك المعصية السخرية بالمؤمنين، والأولى بذوي الألباب ألا يناظروا من هذا شأنه، لئلا يتسببوا بمناظرته إلى إيقاعه في الآثام المذكورة.