وأفضل ما تقرب به التذلل لعزة الله والتخضع لعظمته والإيحاش لهيبته، والتبري من الحول والقوة إلا به، وهذا شأن العارفين، وما خرج عنه فهو طريق الجاهلين أو الغافلين، وقد تمت الحكمة وفرغ من القسمة، وسينزل كل أحد في دار قراره حكما وعدلا وحقا، قسطا وفضلا، وما ثبت في القدم لا يخلفه العدم ولا تغيره الهمم، بعد أن جرى به القلم وقضاه العدل الحكم، فأين المهرب وإلى أين المذهب وقد عز المطلب ووقع ما يذهب، فيا خيبة من طلب ما لم تجز به الأقدار ولم تكتبه الأقلام، يا لها من مصيبة ما أعظمها وخيبة ما أفحمها. أين المهرب من الله وأين الذهاب عن الله وأين الفرار من قدرة الله؟ بينا يرى أحدهم قريبا دانيا إذ أصبح بعيدا نائيا، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا حفظا ولا رفعا
بأي نواحي الأرض نرجو وصالكم ... وأنتم ملوك ما لمقصدكم نحو
والله لن تصل إلى شيء إلا بالله فكيف توصل بغيره.
[فصل المصالح ضربان]
(فصل) المصالح ضربان: أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللذات، والثاني مجازي وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم: وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقة، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب.
وكذلك المفاسد ضربان: أحدهما حقيقي وهو الغموم والآلام، والثاني مجازي وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المفاسد مصالح فنهى الشرع عنها لا لكونها مصالح بل لأدائها إلى المفاسد وذلك كالسعي في تحصيل اللذات المحرمات والشبهات المكروهات والترفهات بترك مشاق الواجبات والمندوبات فإنها مصالح نهي عنها لا لكونها مصالح بل لأدائها إلى المفاسد الحقيقة وتسميتها مفاسد من مجاز تسمية السبب باسم المسبب.