[فصل في تقديم المفضول على الفاضل بالزمان إذا اتسع وقت الفاضل]
قد يتقدم المفضول على الفاضل بالزمان عند اتساع وقت الفاضل، كتقديم الأذان والإقامة والسنن الرواتب على الفرائض في أوائل الأوقات. ومثل ذلك: تقديم المفضول الذي يخاف فوته على الفاضل الذي لا يخشى فوته؛ كتقديم حمدلة العاطس وتشميته في أثناء الأذان، وفي أثناء قراءة القرآن، وكتقديم السلام ورده المسنون على توالي كلمات الأذان وقراءة القرآن، فإن تعين رد السلام كان تقديمه على القراءة من باب تقديم الفرض على النفل، وإن وقع الأذان في الصلاة، فإن كان المصلي في الفاتحة لم يجبه لئلا ينقطع ولاء الفاتحة، فإن كان في غير الفاتحة ففي إجابته قولان؛ لأن مصلحة الإجابة قد عارضتها مصلحة موالاة أذكار الصلاة وقراءتها.
[فصل في تساوي المصالح مع تعذر جمعها]
إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير للتنازع بين المتساويين ولذلك أمثلة: أحدها إذا رأينا صائلا يصول على نفسين من المسلمين متساويين وعجزنا عن دفعه عنهما فإنا نتخير.
المثال الثاني: لو رأينا من يصول على بضعين متساويين وعجزنا عن الدفع عنهما فإنا نتخير، ولو وجدنا من يقصد غلاما باللواط وامرأة بالزنا ففي هذا نظر وتأمل. فيجوز أن يدفع الزاني، لأن مفاسد الزنا لا يتحقق
مثلها في اللواط، ولأن العلماء اتفقوا على حد الزنا واختلفوا في حد اللائط، ويجوز أن يبدأ بدفع اللائط لأن جنسه لم يحلل قط، ولما فيه من إذلال الذكور وإبطال شهامتهم، ويجوز أن يتخير في ذلك.
المثال الثالث: لو رأينا من يصول على مالين متساويين لمسلمين معصومين متساويين تخيرنا.
المثال الرابع: إذا حجز الحاكم على المفلس وجبت التسوية بين الديون بالمحاصة فإن كان الدين مائة وماله عشرة سوى بين الغرماء بإيصال كل منهم إلى عشر دينه.
المثال الخامس: إذا مات وعليه دين لرجلين بحيث تضيق عنه التركة سوى بينهما في المحاصة؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
المثال السادس: إذا حضر فقيران متساويان تخير في الدفع إلى أيهما شاء وفي الفض عليهما.
المثال السابع: إذا حضرت أضحيتان متساويتان تخير بينهما فإن تفاوتت بدأ بأفضلهما، ووقع في الفتاوى فيمن كانت عنده مهرية تساوي ألفا، وعشرة أينق تساوي ألفا، فالتضحية بأيهما أفضل؟ فكان الجواب أن التضحية بالأينق أولى لما فيها من تعميم الإقاتة والنفع، وفضيلة المهرية تفوت بذبحها بخلاف عتق أنفس الرقبتين وأغلاها ثمنا عند أهلها، لأن شرف المخرج يختلف باختلاف مشرفه؛ فإخراج أشراف المال أحسن في الطواعية؛ لأن الهدايا تعظيم المهدى إليه وأفضل الهدايا أنفسها.
وكذلك لو أراد أن يشتري حصانا يساوي ألفا بألف ويذبحه ويتصدق بلحمه، وأن يشتري بالألف ألف شاة ويتصدق بلحمها فلا شك أن التصدق
بلحوم الشياه أفضل لكثرة ما يحصله من المقاصد والمنافع؛ ولأن فضيلة الحصان تفوت بذبحه من غير أن يحصل إلى الفقراء منها شيء.
المثال الثامن: إذا ملك نفقة زوجه وله زوجتان متساويتان سوى بينهما.
المثال التاسع: إذا كان له ابنان متساويان من كل وجه ولا يقدر إلا على نفقة أحدهما فليوزعها بينهما.
المثال العاشر: إذا اجتمع عليه دينان متساويان ولا يقدر إلا على أحدهما، فالأولى أن يفضه على مالكيهما وإن قدم أحدهما على الآخر جاز.