ومن أعمال القلوب احتقار ما حقره الله من الدنيا وأسبابها، وتعظيم ما عظمه الله من الفقر والذل والمسكنة والخضوع والخشوع والغربة وعدم الجاه والمال: لأن الغنى بالمعارف والأحوال أفضل وألذ من الغنى بالجاه والأموال، والبذل لله عز وجل، والفقر غنى، والغربة لأجله استيطان.
لأن العبد إذا كان عند سيده فهو في أفضل الأوطان، وإن عظم ونأى بجانبه فأعظم به من خسران.
ومن أعمال القلوب أن نكثر من ذكر الله بقلوبنا فإنه من المثمر للأحوال عند ذي الجلال من ذكر اللسان، وأن نختار من المعارف أفضلها فأفضلها، ومن الأحوال أكملها فأكملها، وأن نحفظ الأوقات فلا نصرف شيئا إلا
في أفضل القربات اللائقة بتلك الأوقات، فقد يكون الاشتغال بالمفضول في بعض الأوقات أولى من الاشتغال بالفاضل في غيرها كالاشتغال بالدعاء فإنه أفضل من الاشتغال بالذكر في غير أوانه كالدعاء بين السجدتين فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالتسبيح والثناء، كذلك قراءة القرآن في الركوع والسجود والقعود فإن الله شرع لكل وقت طاعة هي فيه أفضل من غيرها فيه، وإنما يشتغل بالأفضل فالأفضل إذا كان صالحا لهما جميعا، والهداية لأفضل الأعمال والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما من به الإله سبحانه وتعالى.
[فصل في معرفة الفضائل]
الفضائل بالمعارف والأحوال وما يتبعهما من الأقوال والأعمال، ولقد نال الأنبياء من ذلك أفضل منال، فورث عنهم العارفون بعض المعارف والأحوال، وورث عنهم العارفون التقرب بالأقوال والأعمال، وورث عنهم الفقهاء التقرب بمعرفة الأحكام المتعلقة بالجوارح والأبدان، وورث عنهم أهل الطريقة الأحكام المتعلقة بالبواطن، وورث عنهم الزهاد الترك والإقلال، واختص الأنبياء بمعارف لا تدرك بنظر العقول لا بضرورتها، واختصوا بالأحوال المبنية على تلك المعارف، ولعل بعض الأولياء والأبدال ورثوا أشياء من ذلك، وكذلك اختص الأنبياء بالمعجزات والكرامات، وشاركهم الأولياء في بعض الكرامات.
والمعارف والأحوال غير الكرامات وخرق العادات، لتعلق المعارف بالله وتعلق الكرامات بخرق العادات في بعض المخلوقات. وفرق فيما تعلق برب الأرض والسموات. وفيما تعلق بفك اطراد العادات من النظر إلى رب الأرباب ومالك الرقاب من النظر إلى من هو ستر وحجاب بين القلوب وبين الملك الوهاب، وكفى بالغفلة عن الله عقابا.
ارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه
وفقنا الله للإقبال عليه والإصغاء، إليه، ولما لم يدان الأنبياء أحد في شيء مما ذكرناه من المعارف والأحوال، وكذلك في الأعمال، لم يدانهم في أدائها أحد، لأن ركعة من الأنبياء أفضل من ركعات كثيرة من غيرهم لكمالها في القيام بوظائف آدابها: من التعظيم والإجلال والخضوع والخشوع حتى كأنهم ينظرون إلى ربهم، وكذلك قيام ليلة منهم أفضل من قيام ليال كثيرة من غيرهم لما في عبادات الأنبياء من كمال التعظيم والإجلال وما في عبادة غيرهم من النقص والإخلال، وكذلك أحوالهم ومعارفهم في حضورهم بغير استحضار ودوامها على مر الليالي والأيام.