[فائدة اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات]
(فائدة) اعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات حال يختص بها، فمن ذكر صفة الرحمة أو ذكر بها كانت حاله حالة الراجين، وسماعه سماع الراجين، ومن ذكر شدة النقمة أو ذكر بها كانت حاله حال الخائفين، وسماعه سماع الخائفين، ومن حاله حال المحبة إذا ذكر حال المحبوب أو ذكر به كانت حاله حال المحبين، وسماعه سماع المحبين، ومن كانت حاله حال المعظمين الهائبين فذكر العظمة أو ذكر بها كانت حاله حال المعظمين، وسماعه سماع الهائبين المعظمين، ومن كانت حاله حال التوكل فذكر تفرد الرب بالضر والنفع، والخفض والرفع، والتقرب والإبعاد، والإشقاء والإسعاد، فذكر ذلك أو ذكر به في السماع كانت حاله حال
المتوكلين المفوضين، وسماعه سماعهم، وقد ينتقل كثير من الناس في السماع بين هذه الأحوال فينتقل من حال إلى حال على حسب الإمكان بحسب اختلاف التذكير، وقد يغلب الحال على بعضهم بحيث لا يصغي إلى ما يقوله المنشد ولا يلتفت إليه لغلبة حال الأول عليه.
ومن أعمال القلوب: الخضوع والخشوع. وكلاهما ذل في القلوب والرضا والصبر والتوبة والزهد فأما الرضا: فهو سكون النفس إلى سابق القضاء من غير نكير على القاضي بما قضى، وأما الصبر فهو حبس النفس عن الجزع، والرضا جزء منه لأنه سكون بما جرت به المقادير، ولا يشترط أن يرضى بالمقضي به إلا إذا كان المقضي به خيرا، فإن كان المقضى به معصية فليرض بالقضاء وليكره المقضي به، لأن القضاء حكم الله والمقضي هو المحكوم به. وهذا كالمريض إذا وصف الطبيب الدواء المر أو قطع اليد المتآكلة فإنه يرضى لوصف الطبيب وقضائه وإن كره المقضي به من مرارة الدواء وألم القطع.
وأما التوبة فأقسام: أحدها: التوبة من ترك الواجبات وفعل المحرمات.
القسم الثاني: التوبة من ارتكاب المكروهات.
القسم الثالث: التوبة من الشبهات.
القسم الرابع: التوبة من ملابسة المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو تمس إليه الحاجات.
القسم الخامس: التوبة من رؤية التوبة ورؤية جميع ما يتقرب به إلى ذي الجلال ومعنى ذلك ترك الاعتماد والاستناد إلى شيء من المعارف والأحوال
والأقوال والأعمال، إذ لا ينجي شيء من ذلك صاحبه؛ فإنه لا اعتماد في النجاة إلا على ذي الجلال، وقد قال - عليه السلام -: «لن ينجي أحدكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» .
وأما الزهد فأقسام:
أحدها: الزهد في الحرام.
القسم الثاني: الزهد في المكروهات.
القسم الثالث: الزهد في الشبهات.
القسم الرابع: الزهد في المباحات إلا ما تدعو إليه الضرورات أو تمس إليه الحاجات.
القسم الخامس: الزهد في رؤية الزهد والاعتماد عليه.
والفرق بين التوبة والزهد وإن كانا من أعمال القلوب: أن التوبة ذات أركان ثلاثة:
أحدها: الندم على ما فات من الطاعات.
والركن الثاني: العزم على أن لا يعود إلى تلك المعصية.
الركن الثالث: الإقلاع عن المعصية المتوب عنها في الحال.
ويتحقق الزهد بقطع تعلق القلب عما ذكرناه من المحرمات والمكروهات والمباحات، وليس الزهد عبارة عن خلو اليد من المال، وإنما الزهد خلو القلب عن التعلق به، فليس الغنى بمناف للزهد.