[قاعدة في بيان الوقت الذي يثبت فيه أحكام الأسباب من المعاملات]
للأسباب مع أحكامها أحوال:
أحدها ما تقترن أحكامه بأسبابه كالأفعال
الثانية: ما يتقدم أحكامه على أسبابه.
الثالثة: ما اختلف في وقت ترتيب أحكامه على أسبابه وهو منقسم إلى ما يتعجل أحكامه، وإلى ما يتأخر عنه بعض أحكامه.
فأما الأفعال فتقترن أحكامها بها ولذلك أمثلة: أحدها حيازة المباح بالاستيلاء على الحشيش والحطب، والمعادن، والمياه، والصيود كالأخذ بالأيدي أو بالشباك، أو الإثبات بالرمي بالسهام، أو بالطعن بالرماح.
المثال الثاني: قتل الكفار فإنه يقترن به استحقاق الأسلاب.
المثال الثالث: الخمر والزنا وقطع الطريق تترتب عليها حدودها، والتفسيق وما يترتب على التفسيق.
المثال الرابع: ما يتعلق عليه طلاق أو إعتاق كالأكل والشرب ودخول الدار فإن أحكامه تترتب عليه مقرونة به.
وأما ما يتقدم أحكامه على أسبابه
فله أمثلة: أحدها إذا تلف المبيع قبل القبض، فإن البيع ينفسخ بالتلف قبيل التلف؛ لتعذر اقترانه به ووقوعه بعده؛ لأن الانفساخ انقلاب الملكين إلى باذليهما، ولا يتصور انقلاب الملكين بعد تلف المبيع؛ لأنه خرج عن أن يكون مملوكا فيتعين انقلابه إلى ملك البائع قبيل تلفه، وكذلك تجب مؤنة تجهيزه وتكفينه على بائعه.
المثال الثاني: قتل الخطأ وله حكمان:
أحدهما ما يقترن به وهو وجوب الكفارة.
الثاني: ما يتقدم عليه، وهو وجوب الدية؛ لتكون موروثة عنه على فرائض الله - تعالى - فتقضى منها ديونه وتنفذ وصاياه؛ لأنه أحق ببدل نفسه من ورثته، فإن الأبدال في الشرع حقوق لمن يختص بالمبدل وهو أخص بنفسه من ورثته، ويدل على ذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الضحاك بن قيس أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» ؛ ولأنها تورث على فرائض الله - تعالى -، ويدخل فيه الحجبان اللذان هما من خصائص
الميراث، ولا يقدر مثل ذلك في الكفارة إذ لا حاجة إلى مخالفة الأصول بغير سبب.
المثال الثالث: إذا قال لغيره: أعتق عبدك مجانا أو بعوض سماه فأعتقه عنه، فإنه يملكه قبل عتقه ثم يعتق بعد ذلك، وغلط من قال: يقع العتق والملك معا؛ لأنه جمع بين النفي والإثبات، فإن الملك اختصاص والعتق قاطع لكل اختصاص.
المثال الرابع: إذا حكمنا بزوال ملك البائع في مدة الخيار فأعتق العبد المبيع فإنه يملكه بالاعتقاق ملكا متقدما على الإعتاق، كي لا يقع الإعتاق في غير ملك المعتق، ولو أجاز البائع فأعتق المشتري وقلنا ببقاء ملك البائع كان إعتاقه كإعتاق البائع فيما ذكرناه.
وأما ما اختلف في وقت ترتيب أحكامه على أسبابه، فهو الأسباب القولية.
وهو منقسم إلى ما يستقل به المتكلم، وإلى ما لا يتم إلا بالجواب، فأما ما يستقل به المتكلم فكالإبراء، وطلاق الثلاث قبل الدخول، والعتاق والرجعة، والأصح أن أحكام هذه الألفاظ تقترن بآخر حرف من حروفها، فتقترن الحرية بالراء من قوله أنت حر، والطلاق بالقاف من قوله أنت طالق، والإبراء بالميم من قوله أبرأتك من درهم، ولو قال خصمه أبرئني من درهم فقال أبرأتك اقترنت البراءة بالكاف من قوله أبرأتك، وكذلك الرجعة، تعود أحكام النكاح مع آخر حرف من حروفها، وهذا اختيار الأشعري والحذاق من أصحاب الشافعي، وهذا مطرد في جميع الألفاظ كالأمر والنهي وغيرهما، فإذا قال اقعد كان أمرا مع الدال من قوله اقعد، وإذا قال لا تقعد كان نهيا مع الدال من قوله لا تقعد، وكذلك الأقارير والشهادات وأحكام الحكام.