[قاعدة في ألفاظ التصرفات]
لا يتعين للعقود لفظ إلا النكاح، فإنه يتعين له لفظ التزويج أو النكاح؛ لأن جميع الألفاظ لا تستقل بالدلالة على مقاصد النكاح، فإن لفظ البيع والهبة يدل على نقل الملك في الرقبة، ثم المنافع والثمار بعد ذلك مستفادة من الملك غير معقود عليها، ولفظ الإجارة يدل على تمليك المنفعة المقدرة، والنكاح مؤجل بموت أقصر الزوجين عمرا أو بالعمرين إن مات الزوجان معا، وجميع ألفاظ العقود لا تدل على خصائص النكاح، وإن نوى جميع ذلك لم يصح؛ لأن الشهادة شرط في صحة النكاح، ولا اطلاع للشهود على النيات.
[قاعدة فيما تحمل عليه ألفاظ التصرفات]
. من أقر بشيء من التصرفات كالبيع والإجارة والرهن والوكالة والسلم والطلاق والعتاق والنكاح والزكاة والكفارات والنذور والهدي، وعين أو حلف على شيء من ذلك، أو علق عليه طلاقا، أو عتاقا، أو نذرا، فإن إقراره ويمينه وتعليقه محمول على الصحيح من ذلك دون الفاسد لظهوره فيه، فإن تأول شيئا من ذلك فإن كان لفظه محتملا لما نواه قبل تأويله في الفساد دون الحكم؛ لأن المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية
والظواهر، وإن لم يحتمله لفظه لم يقبل تأويله في الفتيا إلا أن يقصد وضع اللفظ على المعنى الذي أراده فلا ينفعه على الأصح.
وإن أقر بسرقة وجب المال؛ لأن لفظ السرقة صريح في أخذه بغير حق، ولا يجب القطع بذكر السرقة لاختلاف العلماء فيه ولخفاء شرائط البيع والإجارة والنكاح.
وللشافعي أنه لا بد من ذكر الشروط في النكاح لاختلاف الناس في شرائطه، وطرده بعضهم في البيع والإجارة، وفرق بعضهم بالاحتياط للنكاح؛ لأجل الأبضاع، ويجب طرد ما قال في بيع الجواري، ولو قيل: إن البيع أولى بالتفصيل من النكاح لكان متجها؛ لأن الغالب من الأنكحة وقوعها بالشرائط المعتبرة، وليست البيوع كذلك لغلبة بيع المعاطاة وبيع ما لم ير من المتاع.
وإن ادعى أمرا مختلفا في حده وحقيقته الشرعية كدعوى الرضاع والميراث والتفسيق ونجاسة الماء. فللمدعى به حالان: إحداهما أن تختلف رتبته وله مثالان: أحدهما الشهادة بالرضاع، وللحاكم ثلاثة أحوال: الحال الأولى أن يقول بأدنى رتب الأسباب فيحرم بالمصة والمصتين كمالك فيلزمه السماع والحكم؛ لأن الشهادة لم تتردد بين ما يقبل وبين ما لا يقبل.
الحال الثانية: أن يقول بثلاث رضعات فلا يكفي بمجرد الشهادة بالرضاع لترددها بين الثلاث المحرمة وما دونها.
الحال الثالثة: أن يقول أشهد أنها ارتضعت منها رضعات، فلمن يقول بالثلاث أن يعتمد على شهادته، إذ لا تردد فيها بين المحرم وغيره، وإن شهدت البينة عند من يقول بالخمس لم يحكم بها؛ لترددها بين الخمس وما دونها.
المثال الثاني: أن يشهد بانحصار الإرث في إنسان ولا يذكر سبب الإرث
مثل أن يقول أشهد أن هذا وارث فلان لا وارث له سواه، فإن كان الحاكم ممن يقول بتوريث ذوي الأرحام قبلها؛ لأنه إن كان من ذوي الأرحام ورث بالرحم، وإن كان من غير ذوي الأرحام ورث بالقرابة أو بالولاء فلم تتردد الشهادة بين ما يورث وما لا يورث؛ لأنها إن حملت على أدنى الأسباب ثبت الإرث، وإن حملت على أعلاها ثبت الإرث، فالإرث ثابت بكل حال دنية أو علية، وإن كان الحاكم ممن لا يورث بالرحم لم يقبل الشهادة حتى يبين الشاهد سبب الإرث كالبنوة والأخوة لتردد شهادته بين ما يثبت الإرث وما لا يثبته، ولو نص على أنه وارثه بالبنوة لقبل؛ لأن حصر الإرث في الأخوة قد يكون الأخ من الأم عند من يراه.