[فصل في بيان الأصلين]
وقد يتعارض أصلان ويختلف العلماء فيهما ولذلك مثالان: أحدهما: إذا قد ملفوفا نصفين فزعم الولي أنه حي وطلب القصاص وزعم القاد أنه ميت، فعلى قول: القول قول القاد؛ لأن الأصل براءة ذمته من الدية وبدنه من القصاص.
وعلى قول، قول الولي؛ لأن الأصل بقاء حياة المقدود، وقيل إن كان ملفوفا في ثياب الأحياء فالقول قول الأولياء، وإن كان ملفوفا في ثياب الأموات فالقول قول الأجنياء.
المثال الثاني: إذا غاب العبد وانقطعت أخباره ففي وجوب فطرته قولان:
أحدهما: تجب؛ لأن الأصل بقاء حياته.
والثاني: لا تجب؛ لأن الأصل براءة ذمة السيد عن فطرته.
[فصل في تعارض ظاهرين]
قد يتعارض ظاهران، ويختلف العلماء فيهما ولذلك مثالان:
أحدهما: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فادعاه كل واحد منهما أو ادعى أحدهما الاشتراك في الجميع فإن الشافعي - رحمه الله - يسوي بينهما نظرا إلى الظاهر المستفاد من اليد، وبعض العلماء يخص كل واحد منهما بما يليق به نظرا إلى الظاهر المستفاد من العادة الغالبة، وهذا مذهب ظاهر متجه، فإذا كان الزوج جنديا فادعى أنه شريك المرأة في مغازلها وحقاقها ومقانعها، وادعت المرأة أنها شريكته في خيله وسلاحه وأقبيته ومناطقه وجبته وخوذته وبرديته فإنا نجد في أنفسنا ظنا لا يمكننا دفعه أن ما يختص بالأجناد للزوج، وما يختص بالنساء للمرأة.
وكذلك لو كان الزوج فقيها فنازعته في كتب الفقه، أو مقرئا فنازعته في كتب القراءة، أو طبيبا فنازعته في كتب الطب، أو محدثا فنازعته في كتب الحديث، أو حجاما فنازعته في آلة الحجامة، أو نساجا فنازعته في آلة النسج، أو بيطارا فنازعته في آلة البيطرة، ونازعها هؤلاء فيما يختص بالنساء من المكاحل والمغازل والحقاق، فإن كل واحد يجد في نفسه ظنا لا يمكنه دفعه عن نفسه بأن ما يختص بالأزواج المذكورين لهم، وما يختص بالنساء لهن، وما أبعد المشاركة بين الجندي وامرأته في حقيهما.
المثال الثاني: إذا تأمل الناس الهلال فشهد برؤيته عدلان منهم، ولم يتفوه غيرهما برؤيته، فقد اختلف العلماء فيه، فسمع الشافعي - رحمه الله - شهادتهما وظهور صدقهما بما ثبت من عدالتهما الوازعة عن الكذب، ورأى بعض
العلماء رد شهادتهما؛ لأن العادة تكذبهما، فإن العادة أن الجمع الكثير إذا رأوا الهلال شهروه وتفوهوا برؤيته، فإذا لم يتفوه برؤيته إلا الشاهدان دل الظاهر المستفاد من العادة على كذبهما أو على ضعف الظن المستفاد من قولهما، فهذه كلها من الدلائل على ثبوت الأحكام ولا يكذب شيء من هذه الدلائل إلا نادرا، فلذلك اعتمد الشرع عليها
كي لا تفوت
مصالح كثيرة غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة.