[فصل في المشاق الموجبة للتخفيفات الشرعية]
المشاق ضربان: أحدهما مشقة لا تنفك العبادة عنها كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالبا، وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، وكذلك المشقة في رجم الزناة، وإقامة الحدود على الجناة، ولا سيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات، فإن في ذلك مشقة عظيمة على مقيم هذه العقوبات بما يجده من الرقة والمرحمة بها للسراق والزناة والجناة من الأجانب والأقارب البنين والبنات، ولمثل هذا قال - تعالى -: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لو أن فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - سرقت لقطعت يدها» ، وهو - صلى الله عليه وسلم - أولى بتحمل هذه المشاق من غيره؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - وصفه في كتابه العزيز بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها؛ لأنها لو أثرت لفاتت مصالح
العبادات والطاعات في جميع الأوقات أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسموات.
الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالبا، وهي أنواع
النوع الأول مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها.
النوع الثاني مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف، فهذا لافتة إليه ولا تعريج عليه؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة التي لا يؤبه لها.
النوع الثالث مشاق واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف إلا عند أهل الظاهر، كالحمى الخفيفة ووجع الضرس اليسير وما وقع بين هاتين الرتبتين مختلف فيه، ومنهم من يلحقه بالعليا، ومنهم من يلحقه بالدنيا، فكلما قارب العليا كان أولى بالتخفيف، وكلما قارب الدنيا كان أولى بعدم التخفيف، وقد توسط مشاق بين الرتبتين بحيث لا تدنو من أحدهما فقد يتوقف فيها، وقد يرجح بعضها بأمر خارج عنها، وذلك كابتلاع الدقيق في الصوم، وابتلاع غبار الطريق، وغربلة الدقيق لا أثر له لشدة مشقة التحرز منها ولا يعفى عما عداها مما تخف المشقة في الاحتراز عنه وفي ما بينهما كابتلاع ماء المضمضة مع الغلبة اختلاق لوقوعه بين
الرتبتين.
ولما كانت المبالغة مستندة إلى تقصيره بفعله ما نهى عنه ألحقها بعضهم بما تيسر الاحتراز عنه وأبطل بها الصوم، وألحقها بعضهم بالمضمضة لوقوعها عن الغلبة، وتختلف المشاق باختلاف العبادات في اهتمام الشرع فما اشتد اهتمامه به شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة، وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه كي لا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع.
مثاله: ترخيص الشرع في الصلاة التي من أفضل الأعمال تقام مع الخبث الذي يشق الاحتراز منه، ومع الحدث في حق المتيمم والمستحاضة، ومن كان عذره كعذر المستحاضة.