[فصل فيما عرفت حكمته من المشروعات وما لم تعرف حكمته من المشروعات]
فيما عرفت حكمته من المشروعات وما لم تعرف حكمته من المشروعات
المشروعات ضربان: أحدهما ما ظهر لنا أنه جالب لمصلحة أو دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمصلحة، ويعبر عنه بأنه معقول المعنى.
الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبه لمصلحة أو درؤه لمفسدة، ويعبر عنه بالتعبد. وفي التعبد من الطواعية والإذعان مما لم تعرف حكمته ولا تعرف علته ما ليس مما ظهرت علته وفهمت حكمته، فإن ملابسه قد يفعله لأجل تحصيل حكمته وفائدته، والمتعبد لا يفعل ما تعبد به إلا إجلالا للرب وانقيادا إلى طاعته، ويجوز أن تتجرد التعبدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم يقع الثواب عليها بناء على الطاعة والإذعان، من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب، ودرء مفسدة غير مفسدة العصيان، فيحصل من هذا أن الثواب قد يكون على مجرد الطواعية من غير أن تحصل تلك الطواعية جلب مصلحة أو درء مفسدة، سوى مصلحة أجر الطواعية.
[فصل في تفاوت رتب الأعمال بتفاوت رتب المصالح والمفاسد]
طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات، كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة، كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي كطلبه لدفع أدناها، إذ لا تفاوت بين طلب وطلب، وإنما التفاوت بين المطلوبات من جلب المصالح ودرء المفاسد، لذلك انقسمت الطاعات إلى الفاضل والأفضل، لانقسام
مصالحها إلى الكامل والأكمل، وانقسمت المعاصي إلى الكبير والأكبر لانقسام مفاسدها إلى الرذيل والأرذل.
[فصل فيما تتميز به الصغائر من الكبائر]
فيما تتميز به الصغائر من الكبائر
إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر. فمن شتم الرب أو الرسول أو استهان بالرسل أو كذب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة أو ألقى المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة.
وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر.
وكذلك لو دل الكفار على عورة المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلونهم بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم، ويغتنمون أموالهم ويزنون بنسائهم ويخربون ديارهم، فإن تسببه إلى هذه المفاسد أعظم من توليته يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر.
وكذلك لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، ولو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه تؤخذ منه تمرة بسبب كذبه لم يكن ذلك من الكبائر، وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فهذا ظاهر، وإن وقعا في مال حقير كزبيبة وتمرة فهذا مشكل، فيجوز أن يجعل من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد، كما جعل شرب قطرة من الخمر من جملة الكبائر وإن لم يتحقق المفسدة فيه، ويجوز أن يضبط ذلك المال بنصاب السرقة.
والحكم بغير الحق كبيرة فإن شاهد الزور متسبب متوسل والحاكم مباشر فإذا جعل التسبب كبيرة فالمباشرة أكبر من تلك الكبيرة، ولو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص فسلم الحاكم المشهود عليه إلى الوالي فقتله وكلهم عالمون بأنهم ظالمون فشهادة الزور كبيرة والحكم أكبر منها ومباشرة القتل أكبر من الحكم، والوقوف على تساوي المفاسد وتفاوتها عزة ولا يهتدي إليها إلا من وفقه الله تعالى، والوقوف على التساوي أعز من الوقوف على التفاوت، ولا يمكن ضبط المصالح والمفاسد إلا بالتقريب، ولا يلزم من النص على كون الذنب كبيرة أن يكون مساويا لغيره من الكبائر، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الكبائر أن يشتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وكيف يشتم الرجل والديه؟ فقال. نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه» . رواه مسلم في الصحيح. جعل - صلى الله عليه وسلم - التسبب إلى سبهما من الكبائر، وهذا تنبيه على أن مباشرة سبهما أكبر من التسبب إليه.