[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الإنس والجن ليكلفهم أن يوحدوه ويعبدوه، ويقدسوه ويمجدوه ويشكروه ولا يكفروه، ويطيعوه ولا يعصوه، وأرسل إليهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليعزروه ويوقروه ويطيعوه وينصروه؛ فأمرهم على لسانه بكل بر وإحسان، وزجرهم على لسانه عن كل إثم وطغيان وكذلك أمرهم بالمعاونة على البر والتقوى، ونهاهم عن المعاونة على الإثم والطغوى. وحثهم على الاقتداء والاتباع، كما زجرهم عن الاختلاف والابتداع.
وكذلك أمر عباده بكل خير؛ واجب أو مندوب، ووعدهم بالثواب على قليله وكثيره بقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] .
ونهاهم عن كل شر محرم أو مكروه، وتوعدهم بالعقاب على محظور جليله وحقيره بقوله: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] ، وبقوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] .
وكذلك أمرهم بتحصيل مصالح إجابته وطاعته، ودرء مفاسد معصيته ومخالفته؛ إحسانا إليهم، وإنعاما عليهم؛ لأنه غني عن طاعتهم وعبادتهم. فعرفهم ما فيه رشدهم ومصالحهم ليفعلوه، وما فيه غيهم ومفاسدهم ليجتنبوه، وأخبرهم أن الشيطان عدو لهم ليعادوه ويخالفوه، فرتب مصالح الدارين على طاعته واجتناب معصيته، فأنزل الكتب بالأمر والزجر والوعد الوعيد، ولو شاء الله لأصلحهم بدون ذلك؛ ولكنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما ربك بظلام للعبيد.
[فصل في بيان جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما]
على الظنون
الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون. وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما، ومفاسد إذا تحققت هلك أهلهما، وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به؛ فإن عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة وإنما يعملون بناء على حسن الظنون، وهم مع ذلك يخافون ألا يقبل منهم ما يعملون، وقد جاء التنزيل بذلك في قوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] ، فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناء على حسن الظنون، وإنما اعتمد عليها لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها؛ فإن التجار يسافرون على ظن أنهم يستعملون بما به يرتفقون، والأكارون يحرثون ويزرعون بناء على أنهم مستغلون، والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يستأجرون، والملوك يجندون الأجناد ويحصنون البلاد بناء على أنهم بذلك ينتصرون.
وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويسلمون، والشفعاء يشفعون على ظن أنهم يشفعون والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون.
وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام، يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون، والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون. ومعظم هذه الظنون صادق موافق غير مخالف ولا كاذب، فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع خوفا من ندور وكذب الظنون، ولا يفعل ذلك إلا الجاهلون.