بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر بخير
أخبرني الشيخ الإمام الفاضل عثمان بن بلبان المعالمي في شهر رمضان سنة عشرة قال أخبرني الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة مفتي المسلمين أبو عبد الله محمد بن محمد بن بهرام الشافعي أثابه الله الجنة بقراءتي عليه يوم الأحد السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبع مئة بحلب المحروسة قلت له أخبرك الشيخ العلامة شيخ الإسلام مفتي الفرق أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الشافعي بقراءتك عليه قال نعم قلت له قلت (الحمد لله ذي الجود والإحسان والفضل والإمتنان وصلى الله على نبيه المبعوث بالأمر والعدل والإحسان وبالنهي عن الفساد والطغيان فلم يترك صلى الله عليه وسلم شيئا يقرب من الجنان ويبعد من النيران إلا أمر به ولم يدع شيئا يقرب من النيران ويباعد من الجنان إلا نهى عنه)
فصل في بيان المصالح والمفاسد
أما بعد فإن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لإقامة مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما
والمصلحة لذة أو سببها أو فرحة أو سببها
والمفسدة ألم أو سببه أو غم أو سببه
ولم يفرق الشرع بين دقها وجلها وقليلهما وكثيرهما كحبة خردل وشق تمرة وزنة برة ومثقال ذرة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} الزلزلة 99 / 8 - 7
فصل في بيان الإحسان المأمور به
كتب الله سبحانه الإحسان على كل شيء وأخبر أنه يأمر به على الدوام والاستمرار بقوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} النحل 16 / 90 ورغب فيه بقوله {إن الله يحب المحسنين} البقرة 2 / 195 وإن أمرا يكون سببا لحب الله سبحانه لجدير بأن يحرص عليه ويتنافس فيه ويبادر إليه ولا يتقيد ذلك الإحسان بالإنسان بل يجري في حق الملائكة عليهم السلام فإنهم يتأذون مما يتأذى منه الناس بل يجري في حق الحيوان المحترم بل في غير المحترم لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وقد جعل لمن قتل الوزغ في الضربة الأولي مئة حسنة وفي الثانية سبعين لأن قتله بضربة واحدة أهون عليه من قتله بضربتين
والإحسان منحصر في جلب المصالح ودرء المفاسد وهو غاية الورع أعلاها إحسان العبادات وهو أن تعبد الله عز وجل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فقدر أنه يراك وأفضلهما أن تعبد الله عز وجل مقدرا أنك تراه فإنك إذا قدرت في عبادتك ترى المعبود فإنك تعظمه غاية التعظيم وتجله أعظم الإجلال واعتبر ذلك لها صورة الأكابر والملوك فإن من نظر إلى ملك بنظر إليه فإنه يعظمه أبلغ التعظيم ويهابه أتم المهابة ويتقرب إليه بغاية ما يقدر عليه وهذا محكوم بالعادات فإن عزفت عن تقدير رؤيتك إياه فقد ترى أنه يراك وينظر إليك فإنك تستحي منه وتأتي بعبادته على أتم الوجوه
النوع الثاني الإحسان إلى الخلائق وذلك إما بجلب المنافع أو بدفع المضار أو بهما ولا فرق بين قليله وكثيره وجليله وحقيره فإن {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} الزلزلة 99 / 7 {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} الأنبياء 21 / 47 وفي الحديث كل معروف صدقة ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك وفي الحديث لا تحقرن جارة لجارتها ولا فرسن شاة وفي الحديث