قوله: "صغرت حجمه بحذف الأقوال الضعيفة، والوجوه المزيفة السخيفة" (¬5) كان ينبغي أن يقول/: بحذف أقوال ووجوه ضعيفة. بصيغة التنكير أو نحو هذا؛ فإن (¬6) "الوسيط" معروف عند نقلة المذهب بكثرة الأقوال والوجوه الضعيفة، وفيه منها ما ليس في أكثر مصنفات المذهب (¬7)، وقد أفصح هو بوصف كثير منها بذلك (¬8)، فإذا إنما حذف بعضها، وهو مراده بهذه العبارة على ما فيها من الإيهام، والله أعلم بالصواب. PageV01P007
ومن كتاب الطهارة
قوله: "الطهورية مخصوصة بالماء من بين سائر المائعات" (¬1) هذا صحيح من حيث (¬2) إن هذه الخصوصية إنما هي بالنسبة إلى المائعات فحسب لا مطلقا؛ فإن التراب طهور أيضا بنص الحديث (¬3)، فهذا وجه يصح به هذا الكلام في نفس الأمر، لكن كأنه أراد غيره؛ فإنه حصر كتاب الطهارة في قسمين، في كل قسم أربعة أبواب، ليس منها باب التيمم، بل أفرده خارجا عنها، فيكون مراده بقوله "من بين سائر المائعات" التأكيد، والتصريح بنفي الطهورية عن المائعات التي هي غير الماء، ولا يكون مراده (¬4) الاحتراز عن التيمم؛ فإنه إذا لم يجعله طهارة لم يجعل التراب طهورا، وذلك غير مرضي؛ لمخالفته نص الحديث الثابت، ولما اشتهر في كلام الأئمة من الحكم بكونه طهارة (¬5)، وهو أيضا (قد) (¬6) جعله في باب صفة الوضوء من "الوسيط" من طهارات PageV01P008 # الأحداث (¬1). ثم إن في كلامه هذا استعمالا منه للفظة سائر بمعنى الجميع (¬2)، وذلك مردود عند أهل اللغة، معدود في غلط العامة، وأشباههم من الخاصة، قال أبو منصور الأزهري (¬3) صاحب كتاب "تهذيب اللغة" فيه: "أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي" (¬4). قلت: ولا التفات إلى قول الجوهري (¬5) صاحب كتاب (¬6) "صحاح اللغة": "سائر الناس جميعهم" (¬7)؛ فإنه ممن لا يقبل ما ينفرد به، وقد حكم عليه بالغلط في هذا من وجهين: أحدهما في تفسير (¬8) ذلك بالجميع. والثاني: أنه ذكره في فصل "سير" وحقه أن يذكره (¬9) في فصل "سار"؛ لأنه PageV01P009 # من السؤر بالهمز وهو بقية الشراب وغيره (¬1)، والله أعلم.
قوله: "أما في طهارة الحدث فبالإجماع" (¬2) قد ينكر عليه؛ لأنه إن أراد به إجماع الشافعي وأبي حنيفة لم يستقم؛ لما عرف من خلاف أبي حنيفة في النبيذ (¬3) على أن الإجماع بهذا (¬4) المعنى إنما يستعمل في علم الخلاف دون علم المذهب. وإن أراد إجماع الأمة فلا يستقيم أيضا لما ذكرناه، ولأن ابن أبي ليلى (¬5) PageV01P010 # والأصم (¬1) أجازا الوضوء بالمائعات (¬2). فأقول: أما خلاف الاسم فلا اعتداد به على ما ذهب إليه إمام الحرمين (¬3) والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني (¬4)، وهذا كأنه مستند قوله في "الوسيط" في كتاب الإجارة (¬5): "ولا مبالاة بخلاف ابن كيسان" وابن كيسان هذا هو الأصم، ولكن خلاف ابن أبي ليلى يمنع من دعوى إجماع PageV01P011 # الأمة، فيبقى إجماع الإمامين صالحا لأن يحمل كلامه عليه، ووجدت فيما علق عنه من لفظه في تدريسه "للوسيط" (¬1) ما يدل على أن مراده به إجماع الإمامين (¬2)، إلا أن قوله في "البسيط" (¬3): "اتفقت الفرق على ذلك" يشعر بأن مراده ههنا أيضا إجماع الأمة فيبطله خلاف ابن أبي ليلى إن صح عنه (¬4). ولما كنت بخراسان (¬5) - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وقفت على "تعليق للوسيط" (¬6) علقه عن الإمام الغزالي - رحمه الله وإيانا - فاضل من أصحابه يقال له: خلف بن أحمد (¬7)، بلغني أنه مات قبله، علقه من لفظ المصنف في تدريسه له بعد رجوعه إلى بلاده، وفيه بسط لفظ، وجودة ضبط، فعلقت منه أشياء PageV01P012 # استضأت بها أنا أوردها إن شاء الله تعالى في شرحي هذا. وأما خلاف أبي حنيفة في النبيذ فقد ذكر بعض أصحابه عنه أنه رجع عنه (¬1)، والصحيح أن المجتهد إذا قال قولا ثم رجع عنه (¬2) بطل كالمنسوخ (¬3)، والله أعلم.