القول: في كيفية الفتوى وآدابها
وفيه مسائل:
الأولى: يجب على المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يبينه بيانا مزيحا للإشكال، ثم له أن يجيب شفاها باللسان، وإذا لم يعلم لسان المستفتي أجزأت ترجمة الواحد لأن طريقه الخبر، وله أن يجيب بالكتابة مع1 ما في الفتوى من الرقاع من الحظر، وكان القاضي أبو حامد المروروذي الإمام فيما بلغنا عنه كثير PageV01P134
الهرب من الفتوى في الرقاع.
قال أبو القاسم الصيمري: وليس1 من الأدب للمفتي أن يكون السؤال بخطه، فأما بإملائه وتهذيبه فواسع.
وبلغنا عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي رحمه الله: أنه كان قد يكتب للمستفتي السؤال على ورق من عنده, ثم يكتب الجواب2، والله أعلم.
الثانية: إذا كانت المسألة فيها تفصيل لم يطلق الجواب3، فإنه خطأ، ثم له أن يستفصل السائل إن حضر ويقيد السؤال في رقعة الاستفتاء ثم يجيب عنه، وهذا أولى وأسلم، وكثيرا ما نتحراه نحن ونفعله، وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنها الواقع للسائل، ولكن يقول: هذا إذا كان كذا وكذا، وله أن يفصل الأقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، وهذا قد كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، وقال: هذا ذريعة إلى تعليم الناس الفجور، ونحن نكرهه أيضا لما ذكره: من أنه يفتح للخصوم باب التمحل والاحتيال الباطل، ولأن ازدحام الأقسام بأحكامها على فهم العامي يكاد يضيعه، وإذا لم يجد المفتي من يستفسره في ذلك كان مدفوعا إلى التفصيل، فليتثبت وليجتهد في استيفاء الأقسام وأحكامها وتحريرها4. والله أعلم.
الثالثة: إذا كان المستفتي بعيد الفهم، فينبغي للمفتي أن يكون رفيقا به صبورا عليه، حسن التأني في التفهم منه. والتفهيم له حسن الإقبال عليه5، لا سيما إذا كان ضعيف الحال، محتسبا أجر ذلك فإنه جزيل. PageV01P135
أخبرت عن أبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه النيسابوري1، قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم القشيري2، قال: سمعت أبا سعيد الشحام3، يقول: "رأيت الشيخ الإمام أبا الطيب سهلا الصعلوكي4 في المنام فقلت: أيها الشيخ.
فقال: دع التشييخ.
فقلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها؟
فقال: لم تغن عنا.
فقلت: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي بمسائل كان يسأل5 عنها العجز"6.
العجز7: بضم العين والجيم، العجائز. والله أعلم. PageV01P136
الرابعة: ليتأمل رقعة الاستفتاء تأملا شافيا، كلمة بعد كلمة ولتكن "عنايته"1 بتأمل آخرها أكثر، فإنه في آخرها يكون السؤال، وقد يتقيد الجميع بكلمة "في"2 آخر الرقعة، ويغفل عنها القارئ لها، وهذا من أهم ما ينبغي أن يراعيه، فإذا مر "فيها"3 بمشتبه سأل عنه4 المستفتي، ونقطه وشكله مصلحة لنفسه ونيابة عمن يفتي بعده، وكذا إن رأى لحنا فاحشا، أو خطأ يحيل معنى أصلحه5.
قطع بذلك أبو القاسم الصيمري من أئمة أصحابنا في كتابه "في أدب المفتي والمستفتي".
وقال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي الحافظ: "رأيت القاضي أبا الطيب الطبري يفعل هذا في الرقاع التي ترفع إليه للاستفتاء"6.
قلت7: ووجهه إلحاق بقبيل المأذون فيه بلسان الحال، فإن الرقعة إنما قدمها صاحبها إليه ليكتب فيها ما يرى وهذا منه، وكذلك إذا رأى بياضا في أثناء بعض السطور، أو في آخرها، خط عليه وشغله على نحو "ما يفعله"8 الشاهد في كتب الوثاق ونحوها، لأنه ربما قصد المفتي9 فكتب10 في ذلك البياض بعد فتواه PageV01P137