بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم الصدر أوحد عصره، وفريد دهره محيي السنة وقامع البدعة موفق الدين أبو محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي قدس الله روحه ونور موقده وضريحه:
الحمد لله الذي هدانا بنعمته، وشرفنا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبرسالته، ووفقنا للإقتداء والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذي جعله علما على محبته ومعرفته، وسببا لكتابه ورحمته، وحصول هدايته، فقال سبحانه وتعالى:
{قل إن تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}.
وقال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون}.
إلى قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل}.
إلى قوله تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}.
أما بعد.. .. فإن الله سبحانه وتعالى جعل الشيطان عدوا للإنسان يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل وجهة وسبيل كما أخبر الله تعالى عنه بقوله:
{ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين}. PageV01P008
وحذرنا -تعالى- من متابعته، وأمرنا بعداوته ومخالفته، فقال سبحانه:
{إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}.
وقال: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}.
وأخبرنا بما صنع بأبينا تحذيرا لنا من طاعته وقطعا للعذر في متابعته.
وأمرنا الله تعالى باتباع صراطه المستقيم، ونهانا عن اتباع السبل فقال سبحانه:
{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}.
وسبيل الله وصراطه المستقيم هو الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته بدليل قوله تعالى:
{يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم}.
وقال تعالى: {إنك لعلى هدى مستقيم}.
وقال تعالى: {وإنك لتهتدي إلى صراط مستقيم}.
فمن تبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله أو فعله فهو على صراط الله المستقيم، PageV01P009 وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله، فهو متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله تعالى بالمحبة والمغفرة والإحسان.
ثم إن طائفة من الموسوسين قد تحققت منهم طاعة الشيطان حتى اتصفوا بوسوسته، ونسبوا إلى قبول قوله وطاعته، ورغبوا عن اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطريقته، حتى أن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو صلى كصلاته أن وضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة. ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين، أنه قد صار نجسا يجب عليه تسبيع يده وفيه. كما لو ولغ فيهما كلب أو بال عليهما هر!
ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى شبيه بالجنوب وتقارب من ((مذهب السوفسطائية)) الذين ينكرون حقائق الموجودات.
فإن الأمور المحسوسات وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور اليقينيات الضروريات. وهو أولا يغسل عضوه غسلا يشاهد ببصره، ويكبر ويقرأ شيئا بلسانه، تسمعه أذناه. ويعلمه بقلبه. بل يعلمه غيره منه ويتيقنه إذا رأى ذلك أو سمعه منه، وهذا يصدق الشيطان في إنكاره يقين نفسه وجحده لما رأى ببصره وسمعه بأذنه.