الباب الثاني قال الله عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23]
قال أبو بكر بن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم إنما هو من باب الأمر والفرض.
وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء بإحكام وإتقان.
قال الشاعر يرثي عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق أكمامها لم تفتق
أي: قطعتها محكما لها.
وقوله: {وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] ، وهو البر والإكرام.
قال ابن عباس: لا تنفض ثوبك فيصيبهما الغبار.
وقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] في معنى: أف خمسة
أقوال، أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل، والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي، والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب، والرابع: أن الأف الاحتقار، والاستصغار من الأفف، والأفف عند العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري، والخامس: أن الأف: ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس.
قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: معنى أف: النتن
والتضجر، وأصلها نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد، فقيل: لكل مستثقل.
قوله: {ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] ، أي: لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يدك عليهما، {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: 23] ، أي: لطيفا أحسن ما تجد.
وقال سعيد بن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الغليظ الفظ.
وقوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل} [الإسراء: 24] ، أي: ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما.
ومن بيان تعظيم حق الوالدين قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] .
فقرن شكره بشكرهما
الباب الثالث في ذكر ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك
(6) أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين، قال: أنبأ الحسن بن علي التميمي، قال: أنبأ أحمد بن جعفر، قثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قثنا أبو اليمان، قثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن معاذ، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك»
(7) قال أحمد: وثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: " كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أطع أباك "
(8) أخبرنا هبة الله بن أحمد الجريري، قال: أنبأ أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أنبأ أبو عبد الله بن دوست العلاف، قثنا عمر بن عبد العزيز الفارسي،
قثنا يحيى بن مادي التجيبي، قثنا سعيد يعني ابن أبي مريم، قثنا نافع بن يزيد، قال: حدثني سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعص والديك، وإن أمراك أن تخرج من الدنيا كلها»
(9) أخبرنا محمد بن ناصر، وعمر بن ظفر، قالا: أنبأ محمد بن الحسن الباقلاوي، قال: أنبأ أبو العلاء الواسطي، قال: أنبأنا أبو نصر النيازكي، قثنا أبو الخير البزاز، قثنا البخاري، قثنا محمد بن عبد العزيز، قثنا عبد الملك بن الخطاب، قال: حدثني راشد أبو محمد بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من دنياك، فاخرج منها»