الباب الأول في ذكر المعقول في بر الوالدين وصلة الرحم
غير خاف على عاقل لزوم حق المنعم، ولا منعم بعد الحق سبحانه على العبد كالوالدين، فقد حملت الأم بحمله أثقالا كثيرة، ولقيت وقت وضعه مزعجات مثيرة، وبالغت في تربيته وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها لمرادته، وقدمته على نفسها في كل حال.
وقد ضم الوالد إلى تسببه في إيجاده ومحبته بعد وجوده وشفقته في تربيته الكسب له والإنفاق عليه، والعاقل يعرف حق المحسن ويجتهد في مكافأته.
وجهل الإنسان بحقوق المنعم من أخس صفاته، فإذا أضاف إلى جحد الحق المقابلة بسوء الأدب، دل على خبث الطبع ولؤم الوضع وسوء المنقلب، وليعلم البار بالوالدين أنه مهما بالغ في برهما لم يف بشكرهما.
(1) أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، قال: أنبأ علي بن الحسين بن أيوب، قال: أنبأ أبو علي بن شاذان، قال: أنبأ أبو سهل بن زياد، قثنا إبراهيم بن
إسحاق، قثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا ابن أبي مريم، قثنا ابن لهيعة، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن أبي هلال، عن زرعة بن إبراهيم، أن رجلا أتى عمر، فقال: " إن لي أما بلغ بها الكبر، أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، أوضئها، وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا.
قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست عليها نفسي؟ قال: إنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنع ذلك وأنت تتمنى فراقها "
(2) أنبأنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أخبرني أبي، قثنا بشرى بن عبد الله، قثنا محمد بن جعفر الأنباري، قثنا إبراهيم الحربي، قثنا محمد بن عبد الملك، قثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن محمد بن أيوب الأزدي حدثه: " أن عمر رأى رجلا يحمل أمه، ويقول:
أحمل أمي وهي الحمالة ترضعني الدرة والعلالة , فقال عمر: ولا طلقة من طلقاتها "
(3) قال الحربي: وثنا محمد بن سنان، قثنا عمرو بن أبي رزين، قثنا ثور، عن عيسى بن معمر أن عمر رأى رجلا يحمل أمه قد جعل لها مثل الحوية على ظهره يطوف بها حول البيت، ويقول: أحمل أمي وهي الحمالة ترضعني الدرة والعلالة فقال عمر: «لأن أكون أدركت أمي فوليت منها مثل ما وليت، أحب إلي من حمر النعم»
(4) قال الحربي: وثنا أحمد بن منيع، قثنا أبو أحمد، عن المؤمل، عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير، عن أبيه، أن رجلا قال يعني لعبيد الله بن عمير: " حملت أمي على رقبتي من خراسان، حتى قضيت بها المناسك، أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا طلقة واحدة "
(5) أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، وعمر بن ظفر المقرئ، قالا: أنبأ أبو غالب محمد بن الحسن، قال: أنبأ أبو العلاء الواسطي، قال: أنبأ أبو نصر أحمد بن
محمد النيازكي، قال: أنبأ أبو الخير أحمد بن محمد البزاز، قثنا البخاري، قثنا آدم، قثنا شعبة، قثنا سعيد بن أبي بردة، قال: سمعت أبي يحدث: " أنه شهد ابن عمر ورجلا يمانيا يطوف بالبيت قد حمل أمه على ظهره، وهو يقول:
إني لها بعيرها المذلل ... إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة "
فصل ويقاس على قرب الوالدين من الولد قرب ذوي الرحم والقرابة كالبعض، فينبغي أن لا يقصر الإنسان في رعاية بعضه.