ذكروا، أنه لما قتل الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث، وأسر من معه، أمر بضرب رقابهم. فقال رجل منهم: أيها الأمير إني أتيت إليك بشيء. قال: وما هو؟ قال: إني كنت جالسا يوما عند عبد الرحمن فأخذ في عرضك، فناضلته عنك. قال: ومن يشهد لك بذلك؟ فقال رجل من الجماعة يشهد له بما قال فقال: اتركوه. ثم قال للرجل: أفلا كنت مثله؟ قال له: بغضي فيك لم يدعني أتكلم فيك بمثل ذلك. فقال: واتركوا هذا لصدقه. ثم قام رجل آخر فقال: أيها الأمير لئن كنا أسأنا في الخطأ لما أحسنت في العفو. فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما والله لو كان فيكم من يتكلم والله ما قتل منكم أحد.
باب يذكر فيه
من صيره العشق إلى الأخلاط والجنون
قال بعضهم: مررت بفورك المجنون وقد أتاه أهله بطبيب، يقال له عبد العزيز، ليعالجه. فسملت وقلت: ما خبرك يا أبا محمد؟ فقال: خبري والله مع هؤلاء المجانين ظريف. أنا عاشق وهم يظنون بي جنة وقد أتوني بهذا الطبيب ليعالجني. ثم أنشأ يقول:
أتوني بالطبيب فعالجوني ... على أن قيل مجنون غريب
طبيب الأجر فيه عساه يوما ... من الأيام يعقل أو يتوب
وما صدقوا الفتى محوي قلبي ... أجل من أن يعالجه الطبيب
وما بي جنة لكن قلبي ... به داء تموت به القلوب
وما عبد العزيز طبيب قلبي ... ولكن الطبيب هو الحبيب
وقال آخر: مررت بمجنون بيده قصبة وفيها عذبة، وهو يقول:
إذا ما راية رفعت بنجد ... تلقاها عرابة باليمين
قال فأخذت بيد الغلام الذي كان يتعشقه فوقفت بين يديه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال في ساعة بديهة:
أصبحت منك على شفا جرف ... متعرضا لموارد التلف
وأراك نحوي غير ما ثقة ... متحرفا من غير منحرف
يا من أطال بصده أسفي ... كلفي عليك أشد من أسفي
وقال بعضهم: اجتزت بفورك المجنون وهو في جماعة من الصبيان راكب قصبة، وهو يقول: من كان عاشقا منكم فيقف في الميمنة، ومن كان معشوقا فليقف في الميسرة. ووقف هو في القلب، ففكر وقال:
إلى من أشتكيك إلى من ... إلى كم ترى في قصتي غير محسن
إلى كم يدوم الهجر والعتب بيننا ... سألتك بالرحمن ألا رحمتني
فيا لائمي في أحمد لو رأيته ... لما لمتني في حبه، وعذرتني
أتعجب أن قالوا بفورك جنة ... بنفسي ومالي من هواه أجنني
ثم قال: احملوا على بركة الله. فحملت الميمنة على الميسرة، وأخذ كل عاشق معشوقه.
قال ولقيته في يوم خميس في جماعة من الصبيان، منصرفا. من تشييع غلام كان يحبه، وهو يحدثهم ويلطم خده ويقول: ما أحر الفراق؟ فقلت: يا أبا محمد، من أين أقبلت؟ قال: من تشييع الحجاج. وبكى، وقال:
هم رحلوا يوم الخميس عشية ... فودعتهم لما استقلوا وودعوا
فلما تولوا ولت النفس معهم، ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع؟
إلى جسد ما فيه لحم ولا دم ... ولا فيه إلا أعظم تتقعقع
وكذبت فيك الطرف، والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس أسمع
قال الحسن بن رفاعة: رأيت علوية المجنون يوما وفي عنقه حبل والصبيان يجرونه، فلما رآني قال: يا أبا علي بماذا يعذب الله أهل الجرائم يوم القيامة؟ قلت: بأشد العذاب. قال: فأنا، والله، في أشد من عذابه. لو عذب الله أهل جهنم بالحب والهجر والرقباء لكان أشد عليهم، ثم قال:
انظر إلى ما صنع الحب ... لم يبق لي جسم ولا قلب
أنحل جسمي حب من لم يزل ... من شأنه الهجران والعتب