ولما تزوجت ليلى صاحبة قيس بن الملوح، هام على وجهه مع الوحش، وكان يقول:
لها في سواد القلب تسعة أسهم ... وللناس في ذاك المكان عشير
ولست بمحص حب ليلى لسائل ... من الناس إلا من يقول كثير.
وتنشر نفسي بعد موتي لذكرها، ... فموت نفسي مرة ونشور.
أتاني بعد ظهر الغيب أن قد تزوجت، ... فكادت بي الأرض البراح تمور
فقلت، وقد أيقنت أن ليس بيننا ... تلاق، وعيني بالدموع تفور:
لئن كان تبدي برد إيمانها العلى ... لأفقر مني أنني لفقير.
فما أسرع الأخبار أن قد تزوجت، ... فهل يأتينني بالطلاق. تشير؟
حكى إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: كانت أم عبد الملك بن سعيد بن خالد بن عمرو، عند الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فمرض سعيد، وهو بالبادية، فعاده، فدخل عليه وعنده أختها سلمى، فستروها، فرأى منها لمحة ثم قامت، فرأى طولها فطلق أختها وخطبها، فلم يزوجه إياها وكانت أختها أم عثمان عند هشام بن عبد الملك، فبعث إلى أبيها: إياك أن تزوج الوليد، تريده أن تتخذه فحلا لبناتك يطلق واحدة ويتزوج أخرى؟ فأبى أن يزوجه. فقال الوليد: العجب من سعيد، خطبت إليه فردني، ولو قد مات هشام واستخلفت لزوجنيها، فإن زوجتها فهي طالق، وإن كنت أهواها. وقد ذكرنا حديثه مستقصى في موضعه من هذا الكتاب.
خاصمت امرأة زوجها إلى المطلب بن حبط المخزومي قاضي المدينة، وكانت قالت له: أسأت إلي وأوجعتني، ووالله ما أستطيع، فإن بنتك تمسي من الجوع والجهد وما أقمن إلا على الوطن. فقال: أنت طالق إن كان لا يقمن إلا على الوطن! فأخبرت القاضي بما قالت، وبما قال. فقال القاضي: بطلب المقادير، ورب الكعبة، إن الأيل ليكون بالمكان الجدب الخسيس المرعى فتقيم فيه بحب الوطن. فقال الزوج: كأن المسألة، أصلح الله القاضي، أشكلت عليك هي طالق ألف مرة.
وطلق علي بن منظور امرأته فندم عليها ندما شديدا، فقال:
ما للطلاق فقدته ... وفقدت عاقبة الطلاق
طلقت خير خليلة ... تحت السموات الطباق
وأحبت امرأة الأعرابي أن تفارقه فقال:
تمنين الطلاق وأنت مني ... بعيش مثل مشرفة الجمال
قال خالد بن صفوان: ما بت ليلة أحب إلي من ليلة طلقت فيها نسائي، فأرجع والستور قد هتكت ومتاع البيت قد نقل. فبعثت إلي بنتي سليلة فيها طعام، وبعثت الأخرى إلي بفراش أنام عليه.
وقيل لامرأة كانت تطلق كثيرا: ما لك تطلقين أبدا؟ قالت: يريدون الضيق، ضيق الله عليهم قبورهم.
وقال أعرابي لامرأته:
أنوهت باسمي في العالمين ... وأفنيت عمري عاما فعاما
فأنت الطلاق وأنت الطلا ... ق وأنت الطلاق ثلاثا توأما
عن عروة بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها: أن امرأة رفاعة أتت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني، فبت طلاقي، وإني تزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا، حتى تذوقي عسيلة الزوج الثاني ويذوق عسيلتك.
دخل مدني البصرة، فزوج فيها امرأة: ثم حصل بينهما شر، فقال لها: أنت طالق عدد شعر أستك. فقالت: قاتلكم الله يا أهل المدينة تسرعون الطلاق وتؤثرون الخلاق.
قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لعطاء بن صيفي الثقفي: لو أصبت ركوة مملوءة خمرا بالبقيع ما كنت صانعا بها؟ قال: أفرقها في بني النجار فإنها لا تعدوهم. ولكن أخبرني، أيهما أكبر جدك ثابت أم جدتك فريعة؟ قال لا أدري. قال عطاء: الفريعة كانت أكبر، وقد تزوجتها قبله أربعة أزواج كلهم يلقاها بمثل ذراع البكر ثم يطلقها. فقيل لها: يا فريعة، لم تطلقين وأنت بمثل هذا الجمال؟ قالت: يلتمسون الضيق، ضيق الله عليهم.