الباب الثاني والعشرون في ذكر أقوال وأفعال صدرت من أواسط الناس وعوامهم تدل على قوة الذكاء
حدثنا يحيى المروزي قال كنت آكل مع الرشيد يوما فرفع رأسه إلى خادم فكلمه بالفارسية فقلت له يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه شيئا فإني أفهم بالفارسية فاستحسن الرشيد ذلك مني وقال ليس نطوي سرا قال عاد أبو عمر الضرير رجلا من أصحابه فأخذت أمة بيده فصعدت به فلما أراد أن ينزل جاءت فأخذت بيده فقال رديني إلى مولاك فردته فقال إن جاريتك أخذت بيدي حين صعدت وهي بكر ثم أخذت بيدي الساعة وهي ثيب فسأل عن ذلك فأخبر أن ابنا للرجل افترشها قال مصعب بن عبد الله قال مالك بن أنس صلى بعض الشطار خلف رجل فلما قرأ ارتج عليه فلم يدر ما يقول فجعل يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وجعل يردد ذلك مرارا فقال الشاطر من خلفه ما للشيطان ذنب إلا أنك ما تحسن تقرأ
قال محمد بن عبد الرحمن دعا معن مرة أخا له فأقعده إلى العصر فلم يطعمه شيئا فاشتد جوعه فأخذه مثل الجنون فأخذ صاحب
البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك قال صوت المقلي أخبرنا الجماز قال سمعت واحد يقول لا آخر قد رمد بأي شيء تداوي عينيك قال بالقرآن ودعاء الوالدة فقال اجعل معهما شيئا من أنزروت قال أبو الحسن علي بن هشام بن عبيد الله الكاتب المعروف أبوه بأبي قيراط قال سمعت حامد بن العباس يقول ربما انتفع الإنسان في نكبته بالرجل الصغير أكثر من منفعته بالرجل الكبير فمن ذلك أن إسماعيل بن بلبل لما حبسني جعلني في يد بواب كان يخدمه فكان رجلا حرا فأحسنت إليه وبررته وكان ذلك البواب يدخل إلى مجلس الخاصة ولا ينكر عليه لسابق خدمته فجاءني في بعض الليالي وقال قد حرر الوزير علي ابن الفرات وقال ما يكسر المال على حامد غيرك ولا بد من الجد في مطالبته بباق مصادرته وسيدعو بك الوزير غدا إلى حضرته ويهددك فشغل ذلك قلبي فقلت له فهل عندك من رأي فقال اكتب رقعة إلى رجل من معامليك تعرف شحه والتمس منه لعاليك ألف درهم يقرضك إياها واسأله أن يجيبك على ظهر الرقعة لترجع إليك لتخرجها فإنه لشحه يردك بعذر احتفظ بالرقعة فإذا طالبك أخرجتها إليه وقلت له قد أفضت حالي إلى هذا فأخرجتها على غير مواطئة فلعل ذلك ينفعك ففعلت ما قال وجاءني الجواب بالرد كما حسبنا فلما كان من الغد أخرجني الوزير وطالبني فأخرجت الرقعة فقرأها فلان واستحى وكان ذلك سبب خفة أمري وزوال محنتي
قال عيسى بن محمد الطوماري سمعت أبا عمر محمد بن يوسف القاضي يقول اعتل أبي علة شهورا فانتبه ذات ليلة فدعا بي وبأخوتي وقال لنا رأيت في النوم كأن قائلا يقول كل لا واشرب لا فإنك تبرأ فلم ندر تفسيره وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط حسن المعرفة بعبارة الرؤية فجئنا به فقص عليه المنام فقال ما أعرف
تفسيره ولكني أقرأ كل ليلة نصف القرآن فأخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي وأتفكر فلما كان من الغد جاءنا فقال مررت على هذه الآية {لا شرقية ولا غربية} فنظرت إلى لا وهي تردد فيها اسقوه زيتا وأطعموه زيتا ففعلنا وكانت سبب عافيته
قال حدثنا الأصمعي قال رأيت رجلا قاعدا على قصراوس في الطاعون يعد الموتى في كوز فعد أول يوم عشرين ومائة ألف فلما كان في اليوم الثاني عد خمسين ومائة ألف فمر قوم بميتهم وهو يعد فلما رجعوا إذا عند الكوز غيره فسألوه عنه فقالوا لهم هو في الكوز حكى جعفر البرني قال مررت بسائل على الجسر وهو يقول مسكينا ضريرا فدفعت إليه قطعة وقلت يا هذا لم نصبت قال فديتك بإضمار ارحموا حدثنا أبو عثمان الخالدي قال عملت قصيدة أمدح سيف الدولة أبا الحسن أبن حمدان وعرضتها على جماعة أتعرف ما عندهم فيها إذ حضر مخنث وأنا أقرؤها فلما انتهيت إلى قولي