قال كان بالبصرة مغنية حذرها خمس دنانير وكانت مفرطة في حسن الصورة والغناء إلا أنها بدوية تقلب القاف كافا فدعيت لبعض أمراء البصرة فغنت ومالي لا أبكي وأندب فجاء في كلامه وأندب ناكتي فقال الأمير وزنا خمسة دنانير فإذا كنت تندبيننا فما نريد أن تقيمي عندنا فصرفها وقد خجلت والله أعلم
الباب الثامن عشر في ذكر من وقع في آفة فتخلص منها بالحيلة
ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استعمل رجلا من قريش على عمل فبلغه أنه قال
(اسقني شربة ألذ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام)
فأشخصه إليه وذكر أنه إنما أشخصه من أجل البيت فضم إليه آخر فلما قدم عليه قال الست القائل
(اسقني شربة ألذ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام)
قال نعم يا أمير المؤمنين
(لعله عسلا باردا بماء سحاب ... أنني لا أحب شرب المدام)
قال الله قال الله قال ارجع إلى عملك
قال حدثني عبيد راوية الأعشى قال خرج النعمان إلى ظهر الحيرة وكان معشابا وكانت العرب تسميه خد العذراء فيه نبت الشيح
والقيصوم والخزامي والزعفران وشقائق النعمان والأقحوان فمر بالشقائق فأعجبته فقال من نزع من هذا شيا فانزعوا كفه قال فسميت شقائق النعمان قال فإنه ليسير فيها يوما فانتهى إلى وهدة في طرف النجف وإذا شيخ يخصف نعلا فوقف عليه وقد سبق أصحابه فقال ممن أنت يا شيخ قال من بكر بن وائل فقال يا شيخ مالك ههنا قال طرد النعمان الرعاة فأخذوا يمينا وشمالا ووجدت وهدة خالية فنتجت الإبل وولدت الغنم وسالت السمن فقال أو ما تخاف النعمان قال وما أخاف منه والله لربما لمست بيدي هذه ما بين سرة أمه وعانتها كأنه أرنب جاثم قال أنت أيها الشيخ قال نعم قال فهاج وجهه غضبا وطلعت أوائل خيله فقالوا حييت أبيت اللعن قال وحسر عن رأسه فإذا خرزات ملكه فقال النعمان أيها الشيخ كيف قلت قال أبيت اللعن لا يهولنك ذاك والله لقد علمت العرب أنه ليس بين لأبتيها أكذب مني فضحك ثم مضى
قال طلب الحجاج الحكم بن أيوب بن جبر بن حبيب فخشي أن يجيء به فيعاقبه فقال تركته يتحرك رأسه يصب في حلقه الماء والله لئن حمل على سرير لتكونن عورة فقيل له انصرف
حدثنا محمد بن قتيبة في حديث عبد الله بن مسعود أنه ذكر بني إسرائيل وتحريفهم وتغييرهم وذكر عالما كان فيهم عرضوا عليه كتابا اختلقوه على الله عز وجل فأخذوا ورقة فيها كتاب الله عز وجل ثم جعلها في قرن ثم علقه في عنقه ثم لبس عليه الثياب فقالوا أتؤمن بهذا قال فأومأ بيده إلى صدره وقال آمنت بهذا الكتاب يعنى الكتاب الذي في القرن فلما حضره الموت نبشوه فوجدوا القرن والكتاب فقالوا إنما عنى هذا
وعن الأصمعي عن أبيه قال أتى عبد الملك بن مروان برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال اضربوا عنقه فقال يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك قال وما جزاؤك قال والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك
وذلك أني رجل مشؤم ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم وقد بان لك صحة ما ادعيت وكنت لك خيرا من مائة ألف معك فضحك وخلى سبيله قال اسحق بن إبراهيم الموصلي قال شبيب بن شبة دخل خالد بن صفوان التميمي على أبي العباس وليس عنده أحد فقال يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافته اطلب أن أصير إلى مثل هذا الموقف في هذه الخلوة فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب حتى أفرغ فعل قال فأمر الحاجب بذلك فقال يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك وأجلت الفكر فيك فلم أر أحدا له مثل قدرك اتساعا في الاستمتاع بالنساء منك ولا بأضيق فيهن عيشا إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين واقتصرت عليها فإن مرضت مرضت وإن غابت غبت وإن عركت عركت وحرمت يا أمير المؤمنين نفسك من التلذذ بأطراف الجواري ومعرفة اختلاف أحوالهم والتلذذ بما يشتهى منهن أن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة التي تشتهي لجسمها والبيضاء التي تحب لروعتها والسمراء اللعساء والصفراء العجزاء ومولدات المدينة والطائف واليمامة ذوات الألسن العذبة والجواب الحاضر وبنات سائر الملوك وما يشتهى من نظافتهن وتخلل خالد بلسانه فاطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن فلما فرغ قال ويحك والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا فأعد على كلامك فقد وقع مني موقعا فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأه ثم انصرف وبقي أبو العباس مفكرا فدخلت عليه أم سلمة وكان قد حلف أن لا يتخذ عليها ووفى فلما رأته مفكرا قالت أني لأذكرك يا أمير المؤمنين فهل حدث شيء نكرهه وأتاك خبر أرتعت له قال لا فلم نزل تستخبره حتى أخبرها بمقالة خالد قالت فما قلت لابن الفاعلة فقال لها ينصحني وتشتميه فخرجت إلى مواليها فأمرتهم بضرب خالد فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير المؤمنين ولم اشك في الصلة فبينما أنا واقف