وكان إذا تلا: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}، قال: رحم الله قوما كان خشوعهم في القلوب، فغضوا أبصارهم، وحفظوا فروجهم، وتجنبوا المحارم، فنالوا أعلى الدرجات.
وسئل عن قول الله -عز وجل-: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}، فقال: من جاء ب: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، مخلصا بها قلبه، فله عند الله -عز وجل- الجنة. PageV01P102
وتلا: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}، ثم قال: إنما جزاء من قال: لا إله إلا الله، أن يدخل الجنة.
وقرأ: {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه}، فقال: ذلك المؤمن، الحذر، الفطن، الكيس، الذي علم أن له معادا، فقدم عملا صالحا، ثم قدم عليه فسره، وهو يوم: {ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا}.
وتلا: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، فقال: هو الذنب على الذنب حتى يموت، ويسود القلب.
وتلا: {ولا تمنن تستكثر}، ثم قال: لا تستكثر عملك، فإنك لا تعلم ما قبل منه، وما رد فلم يقبل.
وقرأ: {ألهاكم التكاثر}، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألهى -والله- عن نار الخلود، وشغل عن نعيم لا يبيد، ثم قرأ: {كلا سوف تعلمون}، ثم قال: أيها الناس! لو توعدكم مخلوق يموت، ما استقر بكم القرار، فكيف بوعيد ملك الملوك، والحي الذي لا يموت؟!
وكان إذا قام بالقرآن، وانتهى إلى هذه السورة، لم يتجاوزها، ولا يزال يرددها ويبكي إلى أن ينقطع نحيبه -رحمة الله عليه، ورضوانه لديه-. PageV01P103
الفصل السابع في مكاتبة الخلفاء ومعاملاته مع الأمراء وولاة الأمور
روي عنه -رحمه الله- أنه كان يقول: إن الله -سبحانه وتعالى- أخذ على الخلفاء، والأمراء، والحكام ثلاثة أشياء، فمن أوفى بعهد الله منهم، نجا، ومن قصر، هلك، أخذ عليهم: ألا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.
وكان إذا ذكر الملوك قال: لا تنظروا إلى شرف عيشهم، ولين رياشهم، ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم، وسوء منقلبهم.
واتصل به عن بعضهم: أنه كان يأكل الخشن، ويلبس الدني من الثياب، فقال: يا ويحه: علام جبي له من الخراج، وملك من أطراف البلاد؟ فقالوا: إنه يفعل ذلك بخلا، فقال: الحمد الله الذي حرمه من دنياه ما لأجله ترك دينه.
وكان يقول: إذا أراد الله بقوم شرا، جعل أمراءهم سفهاءهم، وفيئهم عند بخلائهم.
وكان يقول: لقد حدثت عن بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- أنه كان يقول: إن من أشراط الساعة أن يكون في الأرض أمراء فجرة، ووزراء PageV01P104 كذبة، وأمناء خونة، وعلماء فسقة، وعرفاء ظلمة، وإني لأتخوف أن يكون وقتنا هذا.
وقيل: أحضر النضر بن عمرو -وكان واليا على البصرة- الحسن يوما، فقال: يا أبا سعيد! إن الله -عز وجل- خلق الدنيا وما فيها من رياشها وبهجتها، وزينتها، لعباده، وقال -عز وجل-: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، وقال عز من قائل: {قل من حرم زينة القوم التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا}، فقال الحسن: أيها الرجل! اتق الله في نفسك، وإياك والأماني التي ترخصت فيها؛ فتهلك، إن أحدا لم يعط خيرا من خير الدنيا، ولا من خير الآخرة بأمنيته، وإنما هي داران، من عمل في هذه، أدرك تلك، ونال ما قدر له منها، ومن أهمل نفسه، خسرهما جميعا، إن الله سبحانه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لنفسه، وبعثه برسالته ورحمته، وجعله رسولا إلى كافة خلقه، وأنزل عليه كتابا مهيمنا، وحد له في الدنيا حدودا، وجعل له فيها أجلا، ثم قال -عز وجل-: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة}، وأمرنا أن نأخذ بأمره، ونهتدي بهديه، وأن نسلك طريقته، ونعمل بسنته، فما بلغنا إليه، فبفضله ورحمته، وما قصرنا عنه، فعلينا أن نستعين ونستغفر، فذلك باب مخرجنا، وأما الأماني، فلا خير فيها، ولا في أحد من أهلها، فقال النضر: يا أبا سعيد! إن الله -عز وجل- قدر علينا ما شاء، وإنا لنحب ربنا. PageV01P105