3 - الحديث الثالث: حديث الفأرة تقع في السمن
الحديث الثالث
حديث الفأرة تقع في السمن، ذكره في باب: النجاسات (تقع) (¬1) في الماء والسمن (¬2).
وقولك: عرفني عن هذا الباب وغيره؛ كيف أصل أهل المدينة في الماء؟ ولخص لي فيه وجه الصواب، فقد أشكل هذا الأصل.
فالجواب:
إن حديث الفأرة التي وقعت في السمن الجامد، فقال رسول الله: "خذوها وما حولها فألقوه"، إلى ها هنا انتهى حديث أكثر أصحاب ابن شهاب الذي رووه عنه عن (عبيد الله) (¬3) عن ابن عباس عن ميمونة، وقد رواه معمر بهذا الإسناد، ورواه - أيضا - بإسناد آخر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (¬4)، فعند معمر فيه عن PageV01P117 # الزهري حديثان، أحدهما حديث (عبيد) الله (¬1) عن ابن عباس، والآخر حديث سعيد عن أبي هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها وألقوه؛ PageV01P118 # وإن كان مائعا فلا تقربوه".
هذه رواية عبد الرزاق [عن معمر] (¬1) عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه عبد الواحد بن زياد عن معمر بهذا الإسناد، وقال فيه: "وإن كان مائعا فاستصبحوا به" (¬2).
واختلف العلماء في الاستصباح (¬3) بالزيت والمائع تقع فيه الميتة وفي بيعه (¬4)، ولم يختلفوا في أكل ما وقعت فيه الميتة من المائعات غير الماء وشربه ذلك أنه لا يجوزه إلا من شذ عنهم (¬5)، وقد ذكرنا حكم الزيت يقع فيه الميتة، وما في ذلك للعلماء من الأقوال PageV01P119 # والآثار في كتاب "التمهيد" (¬1).
وأما الذي سألت عنه، كيف أصل أهل المدينة؟ وأحببت تلخيص ذلك وإظهار وجه الصواب فيه.
فالجواب عن ذلك؛ أن أصل أهل المدينة في الماء كتاب الله عز وجل وسنن رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
* أما الكتاب، فقول الله تبارك وتعالى اسمه: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48]، فسمى الله الماء طهورا، و"الطهور": هو "المطهر لغيره"، مثل الضروب والقتول، وهو الذي يكثر الضرب والقتل والفعل في غيره، وقد يكون - أيضا - بمعنى "طاهر" مثل: صابر وشاكر وصبور وشكور وضارب وقاتل، والمعنيان جميعا في الماء صحيحان، والماء القراح الصافي، كماء السماء وماء البحار والأنهار والعيون والآبار، إذا لم يخالطه شيء فهو طاهر مطهر؛ وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين.
والماء الذي وصفنا طاهر مطهر بإجماع، فلا وجه للإكثار فيه، قال الله عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} [المؤمنون: 18]، وقد تقدم أن الماء النازل من السماء طهور.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬2). PageV01P120
• وأجمعوا أن الماء الطاهر - كثيرا كان أو قليلا - إذا خالطته النجاسة فغلبت عليه، أو ظهرت فيه بريح أو لون أو طعم؛ أنها قد أفسدته، وأنه قد حرم كما حرمت النجاسة، وخرج من حكم الطهارة.
• وكذلك أجمعوا أن الماء المستبحر الكثير إذا دخلت فيه النجاسة فلم تظهر فيه بلون ولا طعم ولا ريح ولا أثر أن ذلك الماء الطاهر مطهر كما كان، سواء في الحكم طهارته.
فإن كان الماء قليلا أوكان غير مستبحر، وحلت فيه النجاسة، فلم يظهر فيها لون ولا طعم ولا ريح؛ فهذا موضع كثر فيه النزاع والاختلاف قديما وحديثا (¬1)، واختلفت فيه الآثار - أيضا - وأصل أهل المدينة فيه؛ وهو - أيضا - مذهب أهل البصرة، وإليه ذهب اكثر أهل النظر، وهو الذي اختاره أكثر أصحابنا (المالكيين) (¬2) من البغداديين؛ أن ذلك الماء طاهر مطهر قليلا كان أو كثيرا؛ لأن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، ولو نجسه غير ما يغلب عليه (لما) (¬3) صحت به طهارته لأحد أبدا، ولو كان القليل منه PageV01P121 # يفسده قليل النجاسة ما صح الاستنجاء بالماء لأحد.