ولعمري؛ لقد تدفع (كثير) (¬3) من أخبار الخاصة بأضعف من هذا العمل، على PageV01P167 # أن خبر أبي قلابة عن أنس انفرد به - أيضا - أهل البصرة، وقد يجوز أن لا يسمع مالك به، ولا يسمع برواية أيوب وزيادته (¬1)، وإن قال: كان سمعه وعله.
فالجواب عندي على أصله ما ذكرت لك، والله أعلم.
* * * PageV01P168
10 - الحديث العاشر: حديث "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"
الحديث العاشر
حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما رجع من الأحزاب: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصليها حتى نأتيها، وقال بعضهم: نصليها، [لم يرد] (¬1) منا ذلك (¬2)، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب واحدا منهم" (¬3). PageV01P169
وقلت: إدخال البخاري هذا الحديث، ينقض بعضهم به قول الشافعي: إن الطالب لا يصلي صلاة الخوف إلا صلاة كاملة؛ لأن الله - عز وجل - لم يشترط أن تصلى صلاة الخوف إلا مع مقاتلته، خوف الفتنة؛ لأن الخوف يرتفع عن الطالب، وقلت: فانظر رحمك الله: إن كان هذا الحديث الذي أدخل البخاري حجة على الشافعي أم لا؟ لأنه اعترض معترض فقال: أما الذين صلوا في الطريق فأتموا: والذين صلوا في بني قريظة بعد فوات الوقت، فلا خوف عليهم؟
هذا كله لفظ كتابك.
فالجواب:
إن حديث ابن عمر هذا ليس فيه شيء مما ذكرت، فلا يقتضي معنى من المعاني التي إليها أشرت، وإنما فيه إباحة الاجتهاد على الأصول (¬1)، وجواز فعل المجتهد إذا PageV01P170 # كان الاجتهاد منه على أصل صحيح؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يصلوا العصر في بني قريظة واستعجالا منه لهم وحبا لإدراك الناس من اليهود الناقضين لعهده؛ المعينين على الأحزاب، وقد كان عند أصحابه أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها حتى يفوت، فلما أدركتهم الصلاة وخشوا فوتها، من خشي ذاك منهم بدر إلى أدائها على أصله في فرض وقتها واحتمال قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنده مثل ذكر الآية (¬1)، قد يجوز أن يكون - صلى الله عليه وسلم - لو روجع بالسؤال، فقيل له: أرأيت لو خشينا فوت العصر أنصلي أم نتم؟ (¬2) كان يقول: لا تفرطوا في صلاتكم، فإني طمعت لكم أن تدركوا بني قريظة في بقية من الوقت، وكان قولي ما قلته استعجالا لكم وهذا وجه احتمال.
والطائفة التي أخرت الصلاة حتى تأتي بني قريظة، استعملت ظاهر لفظه، ووقفت عنده، فعذرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم باجتهادهم، كما عذر الله - عز وجل - داود وسليمان، إذ حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم (¬3)، فأثنى على سلمان أن فهمها، وعذر داود ولم يذمه لاجتهاده، وهذا الاجتهاد عند العلماء على الأصول؛ لأن ظاهر لفظه - صلى الله عليه وسلم - أصله مما كانوا عليه من معرفة الوقت، فافهم هذا ترشد إن شاء الله تعالى. PageV01P171
وأما قولك: (إدخال) (¬1) البخاري هذا الباب ينقض به قول الشافعي إن الطالب لا يصلي صلاة الخوف (¬2)، فهذا قول من لا علم له بالآثار ولا بمقصد المصنفين لها؛ وما بقي في هذا الحديث مما يدل على أن القوم كانوا مبتدئين للعدو أو مما يدل على أن القوم قصروا الصلاة أو أتموا أو ما فيه ما يكون حجة على من قال: إن الطالب لا يصلي صلاة الخوف، أو على من قال: إنه يصليها، ما فيه شيء يدل على شيء مما ذكرت، ولم يكن أحد من بني قريظة (¬3) هاربا فيتبع، وإنما كانوا في حصونهم لم يبرحوا منه، وكانوا قد أعانوا أبا سفيان والأحزاب بالرأي والسلاح، ونقضوا العهد (¬4)، وقد رامهم أبو سفيان وقريش أن يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبوا عليهم، إلا أن يعطوهم رهنا يكون بأيديهم وثيقة، قالوا: فإنا نخشى إن ضرستكم (¬5) الحرب، PageV01P172 # واشتد عليكم القتال أن تنشمروا (¬1) إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا، فأبت قريش وغطفان أن يعطوهم رهنا (¬2) وحرك الله بينهم وبعث عليهم الريح الشديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكفؤ قدورهم، وتطرح أبنيتهم حتى فروا ليلا (¬3)، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيقن بفرارهم، انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة هو والمسلمون ووضعوا السلاح (¬4)، فلما كان الظهر، أتى جبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صفة دحية بن خليفة الكلبي، قال الزهري: معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة ديباج، فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد وضعت السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب PageV01P173 # القوم، إن الله يأمرك يا محمد، بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم، فمزلزل عليهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا، وأذن: من كان سامعا ومطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" (¬1)، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم (¬2)، وقدم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس، فهل في هذا الحديث، أو حديث ابن عباس في شيء من الآثار؛ أن القوم كانوا ذلك الوقت طالبين العدو وكان بين أيديهم وهل فيها ما يدل على أن المسافة بين المدينة وبين قريظة يجب فيها التقصير في ذلك الحديث، أو في غيره ذكر؛ و (هل) (¬3) دعوى ذلك من مدعيه إلا تظننا وتخرصا؟ ولا يجوز القول في دين الله إلا باليقين.