[خطبة الكتاب]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر
الحمد لله الكبير المتعال، المنفرد بالعز والكمال، خلق الخلق على غير مثال، بعث الرسل، ونهج السبل، وختم أنبياءه بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، أرسله بالحق والهدى كاشفا للحيرة والعمى، أنزل عليه كتابه الناطق بكلامه الصادق ليبين للناس ما يتقون، وما بهم إليه الحاجة مما يعلم - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
أما بعد:
رعاك الله وكلأك، وزاد في توفيقك وتقواك؛ فإنه وردني كتابك الكريم، تضمن عن النطق عن محبتك، وجميل طويل ودك، من تحرصك على العلم، والازدياد من الفهم، وكريم العناية والاجتهاد والدراية، والجري في ميدان الطلب إلى الغاية، وسألت الله تعالى المزيد من الذي عندك، وإحسانه إليك، وحسن عونه على ما يرضاه، ويزلف إليه ويقرب منه، وإليه أبتهل لا شريك له، في أن يهب لنا ولك علما نافعا، وأن يجيرنا من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع؛ وذكرت في كتابك أن علماء زمانك، وفقهاء مصرك أغفلوا حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ونبذوه وراءهم ظهريا، وقرؤوا ظاهره ولم يعلموا باطنه، وتركوا الأصول وعولوا على الفروع، إلى سائر ما أوردته من الإطراء الذي نحن عنه في غنى، وذكره عنى؛ وذكرت أنه استعجم عليك من الجامع الصحيح للبخاري PageV01P091 # - رحمه الله تعالى - أحاديث استغلقت عليك معانيها، ورجوتني لكشف المعمي عنك فيها، وسألتني شرحها وبسطها بما حضرني، وألفاني كتابك عليل اللحم والقلب، قليل النشاط، مشغول الفكر؛ ولكني مع ذلك لم أر أن أخليك من الجواب بما أمكن وحضر، (على الاختصار) (¬1)، وترك التطويل، وحذف الاحتجاج والدليل؛ فذكرت أحاديثك في كتابي هذا على حسب ما كتبت به، وجئت بلفظك في سؤالك على حسب ما أوردته، وجاوبت عن ذلك بما حضرني خطه، ويسر لي ذكره؛ مستجيرا بالله من الزلل في القول والعمل، ومستقصرا لنفسي، وباكيا عليها إذ الأيام أحوجت إليها، ولعمري إنه لموضع البكاء؛ لإغفال أهل الطلب ما كان عليه سلفهم، من طلب السنن ومعانيها، وجمع الأصول وحفظها، والعناية بكتاب الله عز وجل، والتفهم والتفقه فيه، وفي سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإضرابهم عن ذلك كله، إلى ما قد حلا على قلوبهم مما يجتلبون به دنياهم، وفقنا الله تعالى وإياهم لما يرضي به عنا، وألهمنا الصبر، وأعاننا عليه من الأيام القليلة المعدودة الفانية، وجعلنا من الطائفة الظاهرة بالحق التي لا يضرها ما ناوأها إلى أن تقوم الساعة، آمين برحمته.
وهذا حين أصير إلما ذكر الأحاديث والقول فيها بعون الله تعالى، وهو حسبي ونعم الوكيل. PageV01P092