ومن حاجات نفسي فاعصمني ... فإن لمضمرات النفس حاجا
وقال آخر:
عجبت لإدلال العي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالحق أعلما
وفي الصمت ستر للعي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
قال بعض الحكماء: ليس شيء إلا إذا ثنيته قصر إلا الكلام، فإنك كلما ثنيته طال.
قالوا: أعيا العي بلاغة بعي، وأقبح اللحن لحن بإعراب.
كان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام ويذمه ويقول: كثرة الكلام لا توجد إلا في النساء والضعفاء.
ذم أعرابي رجلا، فقال: هو من يتامى المجالس، أعيا ما يكون عند جلسائه، أبلغ ما يكون عند نفسه.
باب في اجتناب اللحن وتعلم الإعراب
وذم الغريب في الخطاب
كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتعلموا العربية.
وروي عنه رحمه الله أنه قال: رحم الله امرأ أصلح من لسانه.
وقال علي بن محمد العلوي:
رأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون
ولا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبر عما عنده ويبين
ويعجبني زي الفتى وجماله ... فيسقط من عيني ساعة يلحن
كان عبد الله بن عمر يضرب ولده على اللحن.
قال شعبة: مثل الذي يتعلم الحديث، ولا يتعلم النحو مثل البرنس لا رأس له.
قال المأمون لأحد أولاده - وقد سمع منه لحنا -: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويفل بها حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أو يسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته، فلا يزال الدهر أسير، كلمته، قاتل الله الذي يقول:
ألم تر مفتاح الفؤاد لسانه ... إذا هو أبدى ما يقول من الفم
وكائن ترى من صاحب لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقال الخليل بن أحمد:
لا يكون السرى مثل الدني ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي
لا يكون الألد ذو المقول المر ... هف عند القياس مثل العيي
أي شيء من اللباس على ذي الس ... رو أبهى من اللسان البهي
ينظم الحجة السنية في السل ... ك من القول مثل عقد الهدي
وترى اللحن بالحسيب أخي الهي ... أة مثل الصدا على المشرفي
فاطلب النحو للحجاج وللشع ... ر مقيما والمسند المروي
والخطاب البليغ عند جواب ال ... قول تزهى بمثله في الندي
وارفض القول من طغام جفوا عن ... ه فقادوا بعضه للنسي
قيمة المرء كل ما يحسن المر ... ء قضاء من الإمام علي
قال ثعلب: سمعت محمد بن سلام يقول: ما أحدث الناس مروءة أفضل من طلب النحو.
قال عبد الله بن المبارك، اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه.
وقال عبد الملك: اللحن هجنة بالشريف.
قال ابن شبرمة: إذا سرك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرا، ويصغر في عينك من كان فيها كبيرا فتعلم العربية، فإنها تجريك وتدنيك من السلطان. قال الشاعر:
النحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
والنحو مثل الملح إن ألقيته ... في كل ضد من طعامك يحسن
وإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن
رأى أبو الأسود الدؤلي أعدالا للتجار مكتوبا عليها: لأبو فلان!! فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.
قال رجل للحسن البصري: يا أبو سعيد! فقال: كسب الدوانيق شغلك أن تقول: يا أبا سعيد.
مر خالد بن صفوان بقوم من الموالي يتكلمون في العربية، فقال: لئن تكلمتم فيها لأنتم أول من أفسدها.