باب قولهم في وصف العيش
وما تتمناه النفس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسمه، معه قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ".
كان عمر بن الخطاب يعجبه قول عبدة بن الطبيب:
المرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
قال أبو يعلى: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا محمد بن حرب الزيادي، قال: حدثني أبي قال: قال زياد لجلسائه: من أغبط الناس عيشا؟ قالوا: الأمير وجلساؤه. فقال:ما صنعتم شيئا، إن لأعواد المنابر هيبة، وإن لفرع لجام البريد لفزعة، ولكن أغبط الناس عندي: رجل له دار لا يجري عليه كراؤها، وله زوجة صالحة، قد رضيته ورضيها فهما راضيان بعيشهما، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإنه إن عرفنا وعرفناه أتعبنا ليله ونهاره، وأفسدنا دينه ودنياه.
قال عمر: لما فتح الله على رسوله بني النضير وغيرهما، كان يتخذ منها لنفسه وعياله قوت سنة، ثم يجعل الباقي في الكراع والسلاح في سبيل الله.
وقال سليمان: إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه ".
وليس في هذا معارضة لقول الله: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " لأن معنى هذا عند العلماء أن يتمنى الرجل مال أخيه وامرأة أخيه، ليصرفه الله عنه إليه فذلك التمني المكروه.
قال محمد بن سيرين: نهيتم عن الأماني، ودللتم على ما هو خير منها لكم، سلوا الله من فضله.
وقد ذكرنا في كتاب " التمهيد " معنى قوله عليه والسلام: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به "، عند قوله عليه السلام: " لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول: يا ليتني مكانه ". قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي: ما بقي من لذاتك؟ قال جليس يقصر به طول ليلي، وزائر أشتهي من أجله طول السهر.
وقال غيره: زائر أشتهي به طول السهر ودابة أشتهي من أجلها طول السفر.
قال مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاث: سعة المنزل، وموافقة المرأة، وكثرة الخدم.
قال عباية الجعفي: ما يسرني بنصيبي من التمني حمر النعم.
قال عبد الرحمن بن أم الحكم: لذة العيش في زحف الأحرار إلى طعامك، وبذل الأشراف وجوههم إليك فيما تجد السبيل إليه، وقول المنادي: الصلاة أيها الأمير.
قال قتيبة بن مسلم لوكيع بن أبي سود: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.
قيل لأم البنين: ما أحسن شيء رأيت؟ قالت: نعم الله مقبلة علي.
سأل قتيبة رجلا: ما السرور؟ قال: الولد الصالح والمال الواسع.
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: لذة العيش ظفرك بمن تحب بعد امتناع، ولذة لا توجب عليك إثما، وحق وافق هوى.
قيل لأبي حازم: ما اللذة؟ قال: الموافقة، ولا أنيس كالصاحب المواتي.
وروى الرياشي عن الأصمعي قال: قال شبيب بن شيبة: عيش الدنيا في ثلاث: محادثة الإخوان، ومباشرة النسوان، وشم الصبيان.
قال بعض الحكماء: كثرة الالتفات سخف، ومجالسة الحمقى تورث النوك، وكثرة المنى تخلق العقل، وتفسد الدين، وتنفي القناعة.
قال أبو العتاهية:؟ لله أصدق والآمال كاذبة وجل هذي المنى في القلب وسواس ذكر عمرو بن بحر عن الأصمعي قال: قال بعضهم: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنيك الشيء أوفر حظا للذة من قدرتك عليه.