باب الكبر والهرم
قال الله تعالى: " ومن نعمره ننكسه في الخلق ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني أعوذ بك أن أرد إلى أرذل عمر ".
وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الغم والهم والكسل والهرم.
وفد عمرو بن مسعود السلمي على معاوية بن أبي سفيان، وكان صديقا لأبي سفيان، فلما مثل بين يدي معاوية عرفه، فقال له: كيف أنت وحالك؟ فقال: ما يسأل أمير المؤمنين عمن سقطت ثمرته، وذبلت بشرته، وابيض شعره، وانخني ظهره، وكثر منه ما يحب أن يقل، وصعب منه ما كان يحب أن يذل، وترك المطعم وكان المنعم، وهجر النساء وكن الشفاء، وقصر خطوه، وذهب لهوه، وكثر سهوه، وثقل على الأرض، وقرب بعضه من بعض، فقل إيحاشه، وكثر ارتعاشه، فنومه سبات، وهمه تارات، وأنشد شعرا حسنا في معناه، تركته لطوله.
وقال أبو عبيدة: عاش أنس بن مدرك الخثعمي مائة سنة وأربعا وخمسين سنة، وكان سيد خثعم في الجاهلية، وفارسها. وأدرك الإسلام فأسلم، وقال في كبره:
إذا ما امرؤ عاش الهنيدة سالما ... وخمسين عاما بعد ذاك وأربعا
تبدل مر العيش من بعد عذبه ... وأوشك أن يبلي وأن يتسعسعا
ونادي به الأدني وترضى به العدا ... إذا صار مثل الدال أحدب أخضعا
رهينة قعر البيت ليس يريمه ... لقى ثاويا لا يبرح البيت مضجعا
يخبر عمن مات حتى كأنما ... رأى الصعب ذا القرنين أو راء تبعا
قال أبو عبيدة: عمر نصر بن دهمان الأشجعي مائة وتسعين سنة، واعتدل بعد ذلك وصار شابا، واسود شعره، وكان أعجوبة غطفان في سائر العرب وفيه قال الشاعر:
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين حولا ثم قوم فانصاتا
وعاد سواد الرأس بعد بياضه ... ولكنه من بعد ذا كله ماتا
روى سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، قال: دخل عمرو بن حريث على أبي العريان الهيثم بن الاسود النخعي يعوده ويزوره، فقال: كيف تجدك يا أبا العريان؟ قال أجدني قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض، ولأن مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين. وزاد غيره في هذا الخبر: وأجدني يسبقني من بين يدي، ويدركني من خلفي، وأنسي الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملاء، وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت بعدت عني. ثم اتفقت الرواية:
فاسمع أنبئك بآيات الكبر
تقارب الخطو وضعف في البصر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وكثرة النسيان ما بي مدكر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر
أوله نوم وثلثاه سهر
وسعلة تعتادني مع السحر
وتركي الحسناء في حين الطهر
وحذرا أزداده إلى حذر
والناس يبلون كما يبلي الشجر
وقال يحيى بن الحكم الغزال:
تسألني عن حالتي أم عمر ... وهي ترى ما حل بي من الغير
وما الذي تسأل عنه من خبر ... وقد كفاها الكشف عن ذاك النظر
وما تكون حالتي مع الكبر ... اربد مني الوجه وابيض الشعر
وصار رأسي شهرة من الشهر ... ويبست نضرة وجهي واقشعر
ونقص السمع بنقصان البصر ... وصرت لا أنهض إلا بعد شر
لو ضامني من ضامني لم أنتصر ... فانظر إلى واعتبر ثم اعتبر
فإن للحلوم في معتبر
قال معاوية بن أبي سفيان: من أخطأه سهم المنية قيده الهرم.
مر شيخ قد انحنى بفتى شاب، فقال له: أتبيع القوس يا شيخ؟ فقال له: إن كبرت أخذتها بلا ثمن.
لأعرابي في الصلع:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا