وقال آخر:
فمن يك عني سائلا لشماتة ... بما نالني أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة ... صبورا على ضراء تلك الزلازل
إذا سر لم يفرح وليس لنكبة ... إذا نزلت بالخاشع المتضائل
لأعرابي وقد أغير على إبله:
الا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن
ما سرني أن إبلي في مباركها ... وأن شيئا قضاه الله لم يكن
باب مؤاخاة من ليس على دينك
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرء على دين خليله، فلينظر امرؤ من يخالل ". وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة، فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل، فإن الخير عادة. وفي معنى هذا الحديث قول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتدي
وقول أبي العتاهية:
من ذا الذي يخفى علي ... ك إذا نظرت إلى خدينه
وهذا كثير جدا، والمعنى في ذلك: ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يومن منه ذلك فلا حرج في صحبته.
قال ابن عباس: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه مقاله.
قال الله عز وجل: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وجاء في التفسير: أحسن منها لأهل الإسلام، أو ردوها لأهل الذمة.
وقيل لسعيد بن جبير: المجوسي يوليني خيرا فأشكره؟ قال: نعم. قيل: فإن سلم علي أفأرد عليه؟ قال: نعم.
وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في أهل الذمة: " لا تبدءوهم بالسلام،وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " فقد قال بذلك طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس رحمه الله. روى بشير بن عمر الزهراني، عن مالك، أنه كان يكره السلام على أهل الذمة كلهم. قال بشير: فقلت: أترى أن يبدءوا بالسلام؟ قال: معاذ الله أما سمعت قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ".
وقال مالك: أكره مؤاكلة أهل الذمة، لأن المؤاملة توجب المودة.
وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يبدءون بالسلام كل من لقوه من مسلم أو ذمى. فالمعنى في ذلك، والله أعلم، أنه ليس بواجب أن يبدأ المسلم المار القاعد الذمى، والراكب المسلم الذمى الماشي، كما يجب ذلك بالسنة على من كان على دينه، فإن فعل فلا حرج عليه. فكأنه قال صلى الله عليه وسلم: " ليس عليكم أن تبدءوهم بالسلام " بديل ما روى الوليد بن مسلم عن عروة بن رويم، قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يسلم على كل من لقي من مسلم وذمى، ويقول: هي تحية لأهل ملتنا، وأمان لأهل ذمتنا، واسم من أسماء الله نفشيه بيننا. ومحال أن يخالف أبو أمامة السنة، لو صحت في ذلك. بل المعنى على تأويلنا والله أعلم، وعلى هذا يصح تخريج هذه الأخبار ووجوهها.
ذكر ابن أبي شبيب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد الألهاني، وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة، أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا بصراني إلا بدأه بالسلام.
وروي عن ابن مسعود وأبي الدراء، وفضاله بن عبيد، أنهم كانوا يبدءون أهل الذمة بالسلام.
وقال ابن مسعود: إن من التواضع أن تبدأ بالسلام كل من لقيت.
وعن ابن عباس، أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك.
وسئل عبد الله بن وهب، صاحب مالك، عن غيبة النصراني، فقال: أو ليس من الناس؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله عز وجل يقول: " وقولوا للناس حسنا ".