وقال محمود الوراق:
أثم الناس أعرفهم بنقصه ... وأقمعهم لشهوته وحمصه
فدان على السلامة من تدانى ... ومن لم ترض صحبته فأقصه
وخل الفحص ما استغنيت عنه ... فكم من جالب غيظا بفحصه
ولا تستغل عافية بشئ ... ولا تستر خصن أذى لرخصه
وقال آخر:
ارض من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهره
من يكشف الناس لم يجد أحدا ... تصح منهم له سرائره
وقال آخر:
يكفيك من قوم شواهد أمرهم ... فخذ عفوهم قبل امتحان السرائر
فإن امتحان القوم يوحش بينهم ... ومالك إلا ما ترى في الظواهر
وإنك إن كشفت لم تر طائلا ... وأبدي لك التكشيف خبث الضمائر
وقال آخر:
ولا خير في ود إذا لم يكن له ... على طول مر الحادثات بقاء
وقال منصور الفقيه:
إذا جمع الفتى حسبا ودينا ... فلا تعدل به أبدا قرينا
ولا تسمح بحظك منه بل كن ... بحظك من مودته ضنينا
وقال آخر:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقاب الذخائر
وقال ابن الرومى:
إذا شئت تعرف أصل الفتى ... أجل لحظ طرفك في منظره
فإن لم بين لك فانظر إلى ... أفاعيله فهي من جوهره
فإن غاب عنك بهذا وذا ... فلا تطلبن سوى محضره
فإن المحاضر سر الرجال ... بها يعرف النذل من خيره
بلوت الرجال وأفعالهم ... فكل يعود إلى عنصره
وقال ربيعة الرقى:
إن اللئيم وإن خلته ... كريما يذودك عن عرفه
ويرجع محصول أخلاقه ... إلى أصله وإلى صنفه
باب التودد إلى الناس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مداراة الناس صدقه ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " أمرني ربي بمداراة الناس ونهاني عن ملاحاتهم ".
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ".
وقد روى في خبر مرفوع: " التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن التدبير نصف المعيشة، وما عال من اقتصد ".
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن مما يصفى لك ود أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس.
قال بعض الحكماء: رأس المداراة ترك المماراة.
وفي الحديث المرفوع: " إذا أحب الله عبدا أحبه الناس ".
أخذه الشاعر فقال:
إذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة في الناس
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بشراركم "؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة. ألا أنبئكم بشر من ذلكم " قالوا: بلى. قال: " من يبغض الناس ويبغضونه ".
روينا أن داود عليه السلام، جلس كئيبا خاليا، فأوحى الله إليه: مالى أراك خاليا؟ قال: هجرت الناس فيك. قال: أفلا أدلك على شئ تبلغ رضاي؟ خالق الناس بأخلاقهم، واحتجز الإيمان فيما بيني وبينك.
كان يقال: من رضى من الناس بالمسامحة طال استمتاعه بهم.
قال أكثم بن صيفي: من تشدد فرق، ومن تراخى تألف، والسرور في التغافل.
قال علي رضى الله عنه: شرط الصحبة إقاله العثرة، ومسامحة العشرة، والمواساة في العسرة.
قيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة،واكتساب إخوان بأيسر مبذول.
قال محمود الوراق:
أخو البشر محمود على كل حالة ... ولن يعدم البغضاء من كان عابسا
ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم أر مثل الجود للعرض حارسا
قال أعرابي يمدح رجلا بساما هو زياد الأعجم يمدح عبد الله بن عامر ابن كريز.