باب كتمان السر وإفشائه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أسر إلى أخيه سرا لم يحل له أن يفشيه عليه.
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به.
قال عباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضى الله عنهما: يابنى إن أمير المؤمنين يدنيك - يعنى عمر بن الخطاب - فاحفظ عنى ثلاثا: لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا يطلعن منك على كذبة.
قال أكثم بن صيفي: إن سرك من دمك، فانظر أين تريقه.
كان يقال: احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم وكان يقال: أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.
قال قيس بن الخطيم:
أجود بمضمون التلاد وإننى ... بسرك عمن سالنى لضنين
وإن ضيع الإخوان سرا فإننى ... كتوم لأسرار الخليل أمين
يكون له عندى إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... بنشر وإفشاء الحديث قمين
وفي مثل هذا: إن السر لا يسمى سرا حتى يسره رجل واحد إلى رجل آخر.
قال الصلتان العبدى:
وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفى
وقال سابق:
فلا تخبر بسرك،كل سر ... إذا ما جاوز الإثنين فاشى
وقال آخر:
لكل امرىء يا أم عمرو طبيعة ... وتفضيل ما بين الرجال الطبائع
فلا يسمعن سرى وسرك ثالث ... ألا كل سر جاوز اثنين ضائع
وكيف يشيع القلب سرا وفوقه ... حجاب وما فوق الحجاب الأضالع
وذهبت طائفة إلى أن السر ما أسررته في نفسك،ولم تبده إلى أحد.
قال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلا سرا فأفشاه فلمته، لأنى كنت به أضيق صدرا حين استودعته إياه.
وإلى هذا ذهب القائل حيث قال:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فعدر الذى يستودع السر أضيق
وأنشد الأصمعى قال:أنشدنى أعرابي:
لا أكتم الأسرار لكن أبثها ... ولا أدع الأسرار تقتلنى غما
وإن سخيف الرأى من بات ليله ... حريبا بكتمان كأن به حمى
وفي بثك الأسرار للقلب راحة ... وتكشف بالإنشاء عن قلبك الهما
وقال سحيم الفقعسى:
لا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلى على قلبي
وإن ضعيف العقل من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب
ومثله قول الآخر:
لا تفشين سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا
فإنى رأيت غواة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا
وقال رجل من بني سعد:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثى ... وسرى عنده فأنا الظلوم
وإنى حين أسأم حمل سرى ... وقد ضمنته صدري سؤوم
ولست محدثا سرى خليلا ... ولا عرسي إذا خطرت هموم
وأطوى السر دون الناس إني ... لما استودعت من سر كتوم
وقال المتنبي:
رضاك رضاي الذي أوثر ... وسرك سرى فما أظهر
كفتك المروءة ما تتقى ... وآمنك الود ما تحذر
وسركم في الحشا ميت ... إذا انتشر السر لا ينشر
وقال حارثة بن بدر الغداني:
خليلي لولا حب زينب لم أسل ... أفي اليوم لقيت المنية أم غدا
خليلي إن أفشيت سرى إليكما ... فلا تجعلا سرى حديثا مبددا
فإن أنتما أفشيتماه فلا رأت ... عيونكما يوم الحساب محمدا
وقال آخر:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع
وقال ابن ميادة واسمه الرماح:
يا خليلي هجرا كي تروحا ... هجتما للرواح قلبا قريحا
إن تروحا لتعلما سر سعدي ... تجداني بسر سعدي شحيحا
إن سعدي كمنية التمنى ... جمعت عفة ووجها صبيحا