مقدمة المؤلف الحمد لله رب العالمين كفاء حقه، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير خلقه وعلى الطاهرين من آله، والحمد لله الذي أقام الحجة على من جعله مكلفا من بريته بوحدانيته واصطفى من شاء منهم برسالته، واجتبى من أراد من الأمم بلطفه وهدايته، وخصنا بالنبي
الأمي والرسول المكي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين، فقام في أمته بتبليغ الرسالة وتعليم الشريعة، وأداء النصح للأمة حتى تركهم حين فارقهم على الواضحة، فقال فيما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل» ، فوجدنا خبره صدقا، ووعده حقا في طائفة من أمته قاموا بنقل شريعته على الصحة وإظهار ملته بعد المعرفة، من يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى يومنا هذا يتبع بعضهم بعضا، وكان فيما نقل إلينا من أخباره صلى الله عليه وسلم تخصيص قريش بريادة العلم، وتخصيص الأمة على متابعة من كان منهم من أهل العلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة في قريش» وقوله عليه الصلاة والسلام: «تعلموا من قريش ولا تعلموها» وقوله: «قدموا قريشا ولا تقدموها» وقوله: «للقرشي مثل قوة الرجلين من غيرهم» قال الزهري: يعني به نبل الرأي. وكان فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما» فنظرنا فلم نجد فيمن بعد الصحابة قرشيا ملأ طباق الأرض علما
إلا الشافعي المطلبي رضي الله عنه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف ابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم. ووجدنا طائفة من هذه الأمة ممن أدركوا زمانه أو جاءوا بعده استعملوا هذه في كتبه وسلوك طريقته في معرفة الشريعة بالأعلام المنصوبة على سبل الحق نصا أو دلالة وبارك الله عز وجل لهم في استعمالها ونفعهم به فتبعناهم في ذلك ونحن نرجو يمنها وبركتها والانتفاع به. ونظرنا في كتبه فوجدنا أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله وإياه جعل منها مختصرا، واتخذ أبو عمرو بن مطر النيسابوري أو غيره من الأحاديث التي أوردها فيما صنفه بمصر، ورواه عنه الربيع بن سليمان المرادي مسندا مخرجا من مسموعات أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم، وكنت قد نظرت في كتب أهل العلم بالحديث والفقه، وجالست أهلها وذاكرتهم وعرفت شيئا من علومهم فوجدت في بعض ما نقل من كتبه وحول منها إلى غيره خللا في النقل، وعدولا
عن الصحة بالتحويل، فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب المختصر. ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل، ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل، ثم حين صنفت كتاب معرفة السنن والآثار عن الشافعي بينت فيه ما عثرت عليه من خطأ من أخطأ عليه في الأخبار، فسألني بعض إخواني من أهل العلم بالحديث إفراده بالذكر عن كتاب المعرفة، لما فيه من زيادة المنفعة لمن تتبع المسند أو المختصر في الوقوف عليه ولم يهتد في كتاب المعرفة إليه، فأجبته إلى ملتمسه مستعينا بالله عز وجل في إتمامه وانتفاع الناظرين فيه به متوكلا عليه فيه، وفي جميع أمورنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المعين