الأربعون الصغرى للبيهقي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله كفاء حقه، والصلاة على خير خلقه، محمد النبي المصطفى، والرسول المجتبى وعلى آله، كلما ذكره الذاكرون، أو غفل عن ذكره الغافلون، والحمد لله الذي أقام الحجة على وحدانيته، ثم على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى رسالته، وتركه في أمته، حتى دعا عباده إلى عبادته، وهدى من شاء منهم لإجابته، وبين على لسانه ما يحتاج إلى معرفته، للقيام بشريعته، وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على حفظ سنته، ثم على أدائها إلى من يأتي بعده من أمته، ليكونوا على علم فيما يلزمهم من استعمال طاعته، واجتناب معصيته، وكان يقول في آخر خطبته: «اللهم هل بلغت؟» فيقولون: نعم، فيقول: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» ، وربما كان يقول: «فرب مبلغ أوعى من سامع» ، وكان يقول ما
(1) أخبرنا الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنا عبد الله بن [ص: 12] جعفر الأصبهاني، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة، عن عمر [ص: 13] بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه قال: سمعت زيد بن ثابت [ص: 14] رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ص: 15] : " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه [ص: 16] إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب [ص: 17] مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم [ص: 18] تحيط من ورائهم " أخرجه أبو داود السجستاني في كتابه السنن مختصرا، ورواه أيضا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورغب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في طلب العلم، وأخبرنا بما فيه من الفضل
فقال فيما
(2) أخبرنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس [ص: 19] محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، ثنا عبد الله بن نمير، عن [ص: 20] الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يبتغي به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما جلس قوم في مسجد من مساجد الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه
(3) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، وأبو [ص: 21] صادق محمد بن أحمد بن أبي الفوارس العطار قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق، ثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء جئتك من المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا جئت لحاجة؟ قال: لا قال: ولا لتجارة؟ قال: لا قال: ولا جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، وكل شيء حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» هذا حديث أخرجه أبو داود السجستاني في كتابه عن مسدد عن الخريبي ورواه من جهة أخرى عن عثمان بن أبي سودة عن أبي الدرداء بمعناه [ص: 22] والأحاديث التي رويت في فضل العلم وطلبه، وحفظ السنة وأدائها كثيرة، وهي في مصنفاتي المبسوطة مذكورة. ومما يدخل في معناه ما روي بأسانيد واهية، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حفظ على أمتي أربعين حديثا ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما» وقد خرجت من الأحاديث التي يفتقر إليها أصحاب الحديث في معرفة ما يجب اعتقاده بالقلب، واستعماله باللسان والأركان، وصار شعارا لهم حيث كانوا في البلدان ما تيسر إخراجه في أربعين بابا، وأنا أستخير الله في إخراج بعض ما يحتاجون إلى معرفته للاستعمال في أحوالهم وأخلاقهم في أربعين بابا؛ ليكون بلغة لهم فيما لا بد لهم من معرفته في عبادة الله تعالى، مع ما سبق ذكره في الأربعين التي خرجتها في بيان معالم دين الله تعالى، وأستعين بالله العزيز الكريم على استعمال ما علمني، وأسأله الزيادة في العلا، والعفو عني فيما قصرت فيه من مواجبه، وأبرأ إليه من حولي وقوتي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم