فأما قراءة أبي عمرو "يغفر لكم" بإدغام الراء في اللام، فمدفوع عندنا، وغير معروف عند أصحابنا، إنما هو شيء رواه القراء، ولا قوة له في القياس1. PageV01P205
باب الزاي
الزاي حرف مجهور، يكون أصلا وبدلا، لا زائدا، فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: زمر1 وزمر، والعين نحو: بزر وحزر2، واللام نحو: جرز3 وجرز.
وقال بعضهم: يقال: شزب وشسب وشسف بمعنى. أي ضمر.
وفصل الأصمعي فقال: الشازب: الذي فيه ضمور وإن لم يكن مهزولا، والشاسب والشاسف الذي قد يبس.
قال: وسمعت أعرابيا يقول: ما قال الحطيئة4 "أينقا شزبا" إنما قال: "أعنزا شسبا"5، وليست الزاي ولا السين بدلا إحداهما من الأخرى، لتصرف الفعلين جميعا.
وقرأت على أبي علي لذي الرمة6: PageV01P207
خدب حنى من صلبه وهو شوقب
على قصب منضم الثميلة شازب1
وكلب تقلب السين مع القاف خاصة زايا، فيقولون في سقر2: زقر، وفي مس سقر: مس زقر، وشاة زقعاء في صقعاء3.
ومثله من الصاد: ازدقي في اصدقي، وزدق في صدق.
قال4: PageV01P208
ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى
متين القوى خير من الصرم مزدرا1
يريد: مصدرا.
وقال الآخر2:
يزيد زاد الله في خيراته
حامي نزار عند مزدوقاته3
أي مصدوقاته. PageV01P209
باب السين
السين حرف مهموس، يكون أصلا وزائدا.
فإذا كان أصلا وقع فاء وعينا ولاما، فالفاء نحو: سلم وسلم، والعين نحو: حسن وحسن، واللام نحو: جرس وجرس.
وإذا كانت زائدة ففي استفعل وما تصرف منه، نحو: استخرج ومستخرج. واستقصى ويستقصي، وهو مستقص.
واعلم أن العرب تقول: استخذ فلان أرضا. وفي هذا عندنا قولان:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون أصله اتخذ، وزنه افتعل، من قوله عز اسمه: {لو شئت لتخذت عليه أجرا} 1. ثم إنهم أبدلوا من التاء الأولى التي هي فاء افتعل سينا، كما أبدلوا التاء من السين في ست، لأن أصلها سدس، فلما كانت التاء والسين مهموستين، جاز إبدال كل واحدة منهما من أختها.
والقول الآخر: أنه يجوز أن يكون أراد استتخذ، أي استفعل، فحذفت التاء الثانية، التي هي فاء الفعل، كما حذفت التاء الأولى من قولهم: تقى يتقي، وأصله: اتقى يتقي، فحذفت التاء الأولى التي هي فاء الفعل.
وأنشدنا أبو علي لخداش بن زهير2:
تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا3
أراد: اتقوه. PageV01P211
وقال الآخر1:
زايدتنا نعمان لا تنسينها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو2
أي اتق الله.
وأنشدنا أيضا، قال: أنشد أبو زيد3:
قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدته ذراعي4
أراد: اتجهنا. قال: وقصرت: حبست. والقبيلة: اسم فرسه.
وأما قولهم السده في معنى الشدة، ورجل مسدوه في معنى مشدوه، فينبغي أن يكون السين فيه بدلا من الشين، لأن الشين أعم تصرفا. PageV01P212
وأما قولهم: أسطاع يسطيع، فذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يطيع، وأن السين فيه زيدت عوضا من1 سكون عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله كأطوع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فصار التقدير: أطوع، فانقلبت الواو ألفا، لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.
وتعقب أبو العباس رحمه الله هذا القول فقال: إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودا في اللفظ، فلا وجه للتعويض منه، وفتحة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت، فلا وجه للعوض من شيء موجود غير مفقود.