التمهيد
1:
اعلم2 أن الصوت عرض 3 يخرج من النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له4 حرفا، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت5 لذلك وجدته على ما ذكرته لك؛ ألا تري أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزا له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى6 غير الصدى الأول وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت7 إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين.
وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف، أن تأتي به ساكنا لا متحركا، لأن الحركة تقلق8 الحرف عن موضعه، ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي PageV01P019
بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة1 من قبله لأن الساكن لا يمكن الابتداء به2، فتقول: اك. اق. أج، وكذلك سائر الحروف، إلا أن بعض الحروف أشد حصرا للصوت من بعضها.
ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام: اد. اط. ال. ولا تجد للصوت منفذا هناك: ثم تقول: اص. اس. ار. اث. اف، فتجد الصوت يتبع الحرف. وإنما يعرض هذا الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقفت عليها، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها، فيتمكن الصويت فيظهر.
فأما إذا وصلت هذه الحروف ونحوها مما سنبينه في مكانه، فإنك لا تحس معها شيئا من الصوت كما تجده معها إذا وقفت عليها، وذلك نحو يصبر ويسلم ويزلق ويثرد ويفتح، وإنما كان ذلك كذلك من قبل أن أخذك في حرف آخر وتأهبك له3، قد حالا4 بينك وبين التلبث5 والاستراحة التي يوجد معها ذلك الصويت، وسترى ذلك مخلصا بمعونة الله.
فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته، استمر الصوت ممتدا حتى ينفد6، فيفضي 7 حسيرا8 إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة عندها إذالم يجد منقطعا فيما فوقها. PageV01P020
والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف، ثم الياء، ثم الواو، وأوسعها وألينها الألف، إلا أن الصوت الذي يجري في الألف مخالف للصوت الذي يجري في الياء والواو، والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو.
والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاث الأحوال، مختلف الأشكال، أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين، غير معترضين على الصوت بضغط أو حصر، وأما الياء فنجد معها الأضراس سفلا وعلوا قد اكتنفت1 جنبتي2 اللسان وضغطته، وتفاج3 الحنك عن ظهر اللسان، فجرى الصوت متصعدا هناك، فلأجل تلك الفجوة ما استطال4، وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين، وتدع بينهما بعض الانفراج، ليخرج فيه النفس، ويتصل الصوت. فلما اختلفت أشكال الحلق والفم والشفتين مع هذه الاحرف الثلاثة اختلف الصدى المنبعث5 من الصدر، وذلك قولك في الألف أا، وفي الياء إي، وفي الواو أو.
ولأجل ما ذكرنا من اختلاف الأجراس في حروف المعجم باختلاف مقاطعها، التي هي أسباب تباين
أصدائها، ما شبه بعضهم الحلق والفم بالناي6، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلا أملس ساذجا7، كما يجري الصوت في الألف غفلا8 بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة9، وراوح بين أنامله، PageV01P021