إبدال الألف عن النون الساكنة
قد أبدلت الألف عن هذه النون في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تكون في الوقف بدلا من التنوين اللاحق علما للصرف، وذلك قولك: رأيت زيدا، وكلمت جعفرا، ولقيت محمدا، فكل اسم منصرف وقفت عليه في النصب أبدلت من تنوينه ألفا كما ترى، إلا أن يكون حرف إعراب ذلك الاسم تاء التأنيث التي تبدل في الوقف هاء، وذلك وقلك: أكلت تمرة، وأخذت جوزة، ولم تقل: أكلت تمرتا، وأخذت جوزتا، لأنهم أرادوا الفرق بين التاء الأصلية في نحو: دخلت بيتا، وسمعت صوتا، وصدت حوتا، وكفنت ميتا، والوقف على قوله عز اسمه: {أومن كان ميتا فأحييناه} [الأنعام: 122] 1، {أومن كان ميتا} والتاء الملحقة نحو: رأيت عفريتا، وملكوتا، وجبروتا2، وبين تاء التأنيث في نحو "تمرة" و"غرفة". فأما قولك: أكررت لك بنتا، وصنت لك أختا، ووقوفك على هاتين التاءين بالألف فإنما ذلك لأنهما ليستا علمي تأنيث، وإنما هما بدلان من الواو التي هي لام الفعل في "إخوة" و"أخوان" و"أخوات" وفي "الأخوة" و"البنوة". وقد تقدم من الحجاج على صحة ذلك وإعلامنا ما علم التأنيث فيهما في باب التاء ما يغني عن إعادته، وقد تقدم أيضا في باب النون ذكر العلة التي لأجلها جاز إبدالها هذا التنوين ألفا في الوقف، وما السبب الذي منع من التعويض في الوقف من تنوين المرفوع واوا، ومن تنوين المجرور ياء، فلم نر لإعادته هنا وجها. PageV02P314
وذكرنا أيضا هناك أن من العرب من يقول في الوقف على المنصوب المنون: رأيت فرج، وقوله1:
()
... وآخذ من كل حي عصم2
و3:
()
... جعل اليقين على الدف إبر4
وغير ذلك من الشواهد. واختلف أصحابنا في الوقف على المرفوع والمجرور من المقصور المنصرف في نحو قولك: هذه عصا، ومررت بعصا، فقالت الجماعة5: الألف الآن هي لام الفعل؛ لأن التنوين يحذف في الوقف على المرفوع والمجرور، نحو: هذا زيد، ومررت بزيد، إلا أبا عثمان فإنه ذهب6 إلى أن الألف فيهما عوض من التنوين، وأن اللام أيضا محذوفة لسكونها وسكون هذه، قال: وذلك أن ما قبل التنوين في المقصور مفتوح في جميع حالاته، فجرى مجرى المنصوب الصحيح نحو: رأيت زيدا.
فأما في النصب فلا خلاف بينهم أن الوقف إنما هو على الألف التي هي عوض من التنوين.
فأما قوله تعالى: {فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] 7 و {قواريرا} [الإنسان: 15] {وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] 8 فإنما زيدت هذه الألفات في أواخر هذه الأسماء التي لا تنوين فيها لإشباع الفتحات، وتشبيه رؤوس الآي بقوافي الأبيات. PageV02P315
على أن من العرب من يقف على جميع ما لا ينصرف إذا كان منصوبا بالألف، فيقول: رأيت محمدا، وكلمت عثمانا، ولقيت إبراهيما، وأصحبت سكرانا. وإنما فعلوا ذلك لأنهم قد كثر اعتيادهم لصرف هذه الأسماء وغيرها مما رينصرف في الشعر، والشعر كثير جدا، وخفت أيضا عليهم الألف، فاجتلبوها فيما لا ينصرف لخفتها وكثرة اعتيادهم إياها، لا سيما وهم يجتلبونها فيما لا يجوز تنوينه في غير الشعر، نحو قول جرير:
()
... وقولي إن أصبت لقد أصابا1
و2:
()
... إذا ما الفعل في است أبيك غابا3
وقالوا أيضا: جئ به من حيث وليسا، يريدون "وليس" فأشبعوا فتحة السين بإلحاق الألف، وسنذكر هذا الفصل في هذا الحرف بعون الله، فهذا إبدال الألف من نون الصرف.