باب الألف الساكنة
مدخل
...
باب الألف الساكنة:
اعلم أن هذه الألف هي التي بعد اللام قبل الياء في آخر حروف المعجم وهي التي في قولنا "لا". وإنما لم يجز أن تفرد من اللام وتقام بنفسها كما أقيم سائر حروف المعجم سواها بأنفسها من قبل أنها لا تكون ساكنة تابعة للفتحة، والساكن لا يمكن ابتداؤه، فدعمت باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ساكنة بعدها. وقول من لا خبرة له بحقيقة اللفظ بحروف المعجم "لام الف" خطأ.
فأما قول أبي النجم1:
خرجت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام الف2
فلم يرد شكل "لا" دون غيره، وإنما هذا كقولك: تكتبان قاف دال، أو جيم طاء، أي كأنهما تخطان حروف المعجم، لا يريد بعضا دون بعض، على أنه أيضا قد يمكن أن يكون أراد بقوله: "لام الف" هذا الشكل المقدم ذكره إلا أنه تلقاه من أفواه العامة؛ لأن الخط ليس له تعلق بالفصحاء، ولا عنهم يؤخذ.
ويؤكد ذلك عندك أن واضع حروف المعجم إنما وسمها لنا منثورة غير منظورة، فلو كان غرضه في "لا" أن يرينا كيف اجتماع اللام مع الألف، للزمه أيضا أن يرينا كيف تتركب الجيم مع الطاء، والقاف مع الياء، والسين مع الهاء، وغير ذلك مما يطول تعداده، وإنما غرضه ما ذكرت لك من توصله إلى النطق بالألف، فدعهما باللام ليقع الابتداء بها، وتأتي الألف ساكنة بعدها. PageV02P295
فإن سأل سائل فقال: ما بالهم اختارو لها اللام دون سائر الحروف إذا كان الأمر كما ذكرت، وهلا دعموها بالجيم أو القاف أو غيرها من الحروف، فقالوا: جا أو قا أو صا أو نحو ذلك؟
فالجواب: أنهم إنما خصوا اللام بها دون غيرها من قبل أنهم لما احتاجوا لسكون لام التعريف إلى حرف يقع الابتداء بها قبلها أتوا بالهمزة، فقالوا: الغلام والجارية، فكما أدخلوا الألف قبل اللام هناك كذلك أدخلوا اللام قبل الألف في "لا" ليكون ذلك ضربا من التعاوض بينهما.
فإن قيل: فلم أدخلت الهمزة قبل لام التعريف أصلا حتى قيس هذا عليه وعووض بينهما؟
فالجواب عن ذلك قد تقدم في حرف الهمزة من أول هذا الكتاب، فالأصل في هذين الموضعين إنما هو لام المعرفة المدخلة عليها الألف، ثم حملت الألف في إدخال اللام عليها على حكم لام المعرفة، وذلك أن اللفظ أسبق مرتبة من الخط، فبه بدئ، ثم حمل الخط عليه.
واعلم أن هذه الألف، أعني المدة الساكنة في نحو قام، وباع، وحمار، وكتاب، وغزا، ورمى، وحتى، وإلا، وما، ولا، لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة ولا الأفعال أبدا، إنما تكون بدلا أو زائدا، فأما الحروف التي جاءت لمعان فإن الألفات فيها أصول، وكذلك الأسماء المبنية التي أوغلت في شبه الحرف، وسيأتيك ذلك مفصلا في أماكنه بإذن الله تعالى.