ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، مخرج الظاء والذال والثاء.
ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى، مخرج الفاء.
ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو.
ومن الخياشيم مخرج النون الخفية، ويقال الخفيفة أي الساكنة.
فذلك ستة عشر مخرجا1.
ويدلك على أن النون الساكنة إنما هي من الأنف والخياشيم، أنك لو أمسكت بأنفك، ثم نطقت بها2 لوجدتها مختلة، وأما النون المتحركة فمن حروف الفم، كما قدمنا، إلا أن فيها بعض الغنة3 من الأنف.
وأما الهمزة المخففة فهي التي تسمى همزة بين بين.
ومعنى قول سيبويه: بين بين، أي هي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، إن كانت مفتوحة، فهي بين الهمزة والألف، وإن كانت مكسورة فهي بين الهمزة والياء، وإن كانت مضمومة فهي بين الهمزة والواو، إلا أنها ليس لها تمكن الهمزة المحققة، وهي مع ما ذكرنا من أمرها، في ضعفها وقلة تمكنها، بزنة المحققة، ولا تقع الهمزة المخففة أولا أبدا، لقربها بالضعف من الساكن، فالمفتوحة نحو قولك في سأل: سال، والمكسورة نحو قولك في سئم: سيم والمضمومة نحو قولك في لؤم: لوم. PageV01P061
ويدلك على أنها وإن كانت قد قربت من الساكن فإنها في الحقيقة متحركة، أنك تعتدها في وزن العروض حرفا متحركا، وذلك نحو قول كثير1.
أان زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البيت أنت حزين2
ألا ترى أن وزن قولك "أان زم": فعولن، فالهمزة إذن مقابلة لعين "فعولن" وهي3 متحركة كما ترى.
وحدثنا أبو علي، قال: أخذ أبو نواس4 لفظ سيبويه ومعناه، يعني قوله: "بين بين"، فقال:
وخذ من كف جارية وصيف ... مليح الدل ملثوغ الكلام
له شكل الإناث وبين بين ... ترى فيه تكادية الغلام5 PageV01P062
وأخبرني1 أيضا قال: سألني سائل قديما، فقال: هل يجوز الخرم2 في أول أجزاء متفاعلن من الكامل؟ 3
قال: ولم أكن حينئذ أعرف مذهب العروضيين4 فيه فعدلت به إلى طريق الإعراب، فقلت: لا يجوز.
فقال: لم لا يجوز؟
فقلت: لأن التاء التي بعد الميم قد يدركها السكون في بعض الأحوال، فيكره الابتداء بحرف قد يكون في بعض أحواله ساكنا في ذلك المثال بعينه، كما كرهت العرب الابتداء بالهمزة المخففة، لأنها قد قربت من الساكن، أفلا ترى إلى تناسب هذا العلم5، واشتراك أجزائه، حتى إنه ليجاب عن بعضه بجواب غيره. PageV01P063
ومعنى قول سيبويه "بين بين": أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها. قال عبيد بن الأبرص1.
تحمي حقيقتنا وبعض ... القوم يسقط بين بينا2
أي يتساقط ضعيفا غير معتد به.
وأما ألف الإمالة فهي التي تجدها بين الألف والياء، نحو قولك في عالم وخاتم: عالم خاتم3
وأما ألف التفخيم4 فهي التي تجدها بين الألف وبين الواو، نحو قولهم: سلام عليك، وقام زيد، وعلى هذا كتبوا: الصلوة والزكوة والحيوة بالواو، لأن الألف مالت نحو الواو، كما كتبوا إحداهما وسواهن بالياء لمكان إمالة الفتحة قبل الألف إلى الكسرة.
وأما الشين التي كالجيم، فهي الشين التي يقل تفشيها واستطالتها، وتتراجع قليلا متصعدة نحو الجيم. PageV01P064
وأما الصاد التي كالزاي، فهي التي يقل همسها1 قليلا، ويحدث فيها ضرب من الجهر، لمضارعتها2 الزاي، وذلك قولك في يصدر يصدر، وفي قصد قصد3.
ومن العرب من يخلصها زايا، فيقول يزدر وقزد، وقالوا في مثل لهم: "لم يحرم من فزد له" أي فصد له. وتأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في شدة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه4، ويشح أن ينحر راحلته له، فيفصدها5، فإذا خرج الدم سخنه للضيف، إلى أن يجمد ويقوى، فيطعمه أياه6، فجرى المثل في هذا، فقيل: "لم يحرم من فزد له". أي لم يحرم القرى من فصدت له، إلا أنه أسكن الصاد تخفيفا، كما يقال في ضرب زيد: ضرب، وفي قتل: قتل، فلما سكنت الصاد ضارعوا7 بها الدال التي بعدها، بأن قلبوها إلى أشبه الحروف بالدال من مخرج الصاد، وهي الزاي، لأنها مجهورة8، كما أن الدال مجهورة، فقالوا: فزد. فإن تحركت الصاد لم يجز فيها البدل، وذلك نحو صدر وصدف، لا تقول فيه زدر ولا زدف، وذلك أن الحركة قوت الحرف وحصنته، فأبعدته من الانقلاب، بل قد يجوز فيها إذا تحركت إشمامها9 رائحة الزاي، فأما أن PageV01P065