فهذا هو القول الذي لا معدل عنه.
فأما "مفيتيح" و"مفاتيح" و"دنينير" و"دنانير" فلم يمكن قلب ألفها واوا لأن الكسرة تمنع من ذلك، وليست قبل الياء الثانية في نحو "كتيب" و"حسيب" كسرة تمنع وقوع الواو بعدها، إنما قبلها ياء ساكنة، والياء الساكنة قد رأينا الواو المفردة PageV02P232
بعدها في نحو: "أسيود" و"أخيول" و"جديول" و"خريوع"، وقالوا أيضا: "ديوان"1 و"اجليواذ"2 ونحو ذلك، فاعرف هذا فإنه مسفر واضح. PageV02P233
إبدال الواو من الياء
هذه الياء التي أبدلت منها الواو على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائدة.
فالأصل قولك من "أيقن" و"أيسر" و"أيديت إليه يدا"1: "موقن" و"موسر" و"مود" وهو "يوقن" و"يوسر" و"يودي" و"قد أوسر في هذا المكان" و"أوقن فيه" و"أودي إلى زيد فيه" وهو "موسر فيه" و"موقن فيه" و"مودى إلى زيد فيه". وكذلك "أيأسته فأنا موئسه، وهو موأس مما طلبه".
وكذلك كل ياء مفردة ساكنة قبلها ضمة، وإنما قلبت الياء الساكنة واوا للضمة قبلها من قبل أن الياء والواو أختان بمنزلة ما تدانت مخارجه من الحروف نحو الدال والتاء والطاء، والذال والثاء والظاء، وقد رأيناهم قالوا "وتد"2 فبينوا التاء لقوتها بالحركة، ثم إنهم لما أسكنوا التاء تخفيفا ضعفت بالسكون، فاجترؤوا عليها بأن قلبوها إلى لفظ ما بعدها ليدغموها فيه، فيكون العمل والصوت من وجه واحد وجنس واحد، فقالوا"ود"3.
وكذلك الواو والياء في نحو "لية" و"طية" وأصلهما "لوية"4 و"طوية"5 قلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء المنقلبة في الثانية، فقالوا "لية" و"طية".
وكذلك "سيد" و"ميت" إنما أصلهما "سيود" و"ميوت" فقلبت الواو ياء ليكون العمل أيضا من وجه واحد، وأدغمت الياء، فصار "سيد" و"ميت". PageV02P233
فإن قلت: فإن "ودا" إنما قلبوا فيه الأول إلى لفظ ما أدغموه فيه وهو الدال، فقالوا "ود" وأنت في "سيد" و"ميت" إنما قلبت الثاني إلى لفظ الأول، فكيف هذا؟
فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك بالواو لغلبة الياء عليها، وإنما غلبت الياء على الواو لخفة الياء وثقل الواو، فهربوا إلى الأخف، فلما وجبت هذه القضية في الواو والياء أجريت الضمة مجرى الواو، والكسرة مجرى الياء، لأنهما بعضان ونائبتان في كثير من المواضع عنهما، فقلبت الواو الساكنة للكسرة قبلها ياء، فقالوا: "ميزان" و"ميقات" والياء الساكنة للضمة قبلها واوا، فقالوا "موسر" و"موقن" وقويت الحركتان وإن كانتا ضعيفتين على قلب الياء والواو من قبل أنهما لما سكنتا قويت الحركة على إعلالهما وقلبهما.
فكما تقلب الياء الواو المتحركة في نحو "سيد" و"قيم" لأن أصلما "سيود" و"قيوم" كذلك قلبت الكسرة الواو الساكنة في نحو "ميقات" و"ميعاد" والضمة الياء الساكنة في نحو "موسر" و"موقن" وذلك أن الحرف أقوى من الحركة، فكما قلبت الياء بقوتها الواو المتحركة، كذلك قلبت الكسرة والضمة الواو والياء الساكنتين دون المتحركتين لضعفهما.
فإن قلت: فما بالهم قالوا "سائل" و"سيل" و"عائل" و"عيل".
قال أبو النجم1:
كأن ريح المسك والقرنفل ... نباته بين التلاع السيل2 PageV02P234
وقال الآخر:
فتركن نهدا عيلا أبناؤها ... وبني فزارة كاللصوص المرد1
وهلا قلبوا الياء الأولى من "السيل" و"العيل" لسكونهما وضم ما قبلهما؟ وقالوا أيضا: "اعلوط اعلواطا"2 و"اخروط اخرواطا"3 فلم يقلبوا الواو الأولى منهما ياء وإن كانت ساكنة مكسورا ما قبلها!.