ومعنى أي: أنها بعض من كل، فهي تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض شاملا لذلك كله. قال أمية:
والناس راث عليهم أمر يومهم ... فكلهم قائل: أيان أيانا4
فإن سميت5 بأيان سقط الكلام في حسن تصريفها، للحاقها -بالتسمية بها- ببقية الأسماء المنصرفة. PageV02P288
ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: "ذو القوة المتين1".
قال أبو الفتح: يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون وصفا [152و] للقوة، فذكره على معنى الحبل، ويريد: قوى الحبل؛ لقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها 2} .
والآخر أن يكون أراد الرفع وصفا للرزاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضب خرب، وعلى هذا في النكرة -على ما فيه- أسهل منه في المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة. فبقدر قوة حاجتها إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضب خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما يقرب منها لاستغنائها في غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف المعرف، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك النكرة لأنها في أول وضعها محتاجة -لإبهاامها- إلى وصفها.
فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر. فكيف جاز أن تجريها عليها على الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضب خرب لا يقول: هذان حجرا ضب خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟
قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح.
وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجيء فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: حلة خصيف3، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس4، وريح خريق5. PageV02P289
سورة الطور
بسم الله الرحمن الرحيم
قرأ عبد الله وإبراهيم: "وزوجناهم بعيس عين1".
قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر العيس2، وأن المرأة العيساء: البيضاء. ومثله جمل أعيس، وناقة عيساء. قال في وصف امرأة:
كأنها البكرة العيساء
ومن ذلك قراءة الأعرج: "وما ألتناهم"، على أفعلناهم3.
قال أبو الفتح: وفيما روينا عن قطرب، قال:
قراءة عبد الله وأبي: و"مالتناهم". وكان ابن عباس يقول: "ألتناهم": نقصناهم. يقال: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ولاته يليته ليتا. كلهن بمعنى واحد. أي: نقصه، ويقال أيضا: ولته يلته ولتا، بمعناه. قال الحطيئة:
أبلغ لديك بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا4
وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن الشيء يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلظ عليه بها، وآلته يؤلته بها: إذا قلده إياها، وقال رؤبة:
وليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت5 PageV02P290
أي: لم يثني عنها ثان1.
ومن ذلك قراءة الناس: "أم هم قوم طاغون2".
وقرأ مجاهد: "بل هم قوم طاغون"، في الطور3.
قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذي يقول أصحابنا فيه: إن أم المنقطعة بمعنى بل، للترك والتحول، إلا أن مات بعد بل متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، مسئول عنه. وذلك كقول علقمة بن عبدة.
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم4؟
كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده يوله بعده [152ظ] :
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم5